والمسلمين - بغداد .. وأزالوا الخلافة أساس وحدة الطاعة والجماعة - رمضوا في زحفهم الظافر فاجتاحوا بلاد الشام، ودقوا أبواب مصر بقوة وعنف. وكان أمرة غريبة أن يقدم المظفر قطوز على شنق رسل هولاكو الذين جاؤوا - وهم يتوقعون استلام وثيقة استسلام مصر. فأي قوة هذه التي اعتمدها قطوز وهو يرفض التحدي الذي فرضه عليه المغول التتار؟ إنها قوة الايمان، لا أكثر ولا أقل. وبروح الايمان هذه، قاد قطوز جيشه إلى فلسطين، وتبددت الظلمة مرة أخرى، وأشرق الضوء الباهر من عين جالوت، فأعاد لدينا المسلمين بهجتها وصفاءها.
لم تكن الحملات الصليبية التي عرفها المسلمون في بلاد الشام إلا فصلا محددة من فصول الصراع المرير الذي خاضه المسلمون في تلك الحقبة التاريخية، فبينما كان المسلمون في الشام يمارسون تجاربهم القتالية مع الفرنج الصليبيين، كان إخوانهم في أقصى المشرق يمارسون تجارب مماثلة مع المغول التتار، ومع بلاد الهند، حيث استمر الصراع عشرات السنين، قبل أن يتمكن المغول من الوصول الى بلاد العراق والشام، ولم تكن فصول هذا الصراع أقل عنفا ولا أقل إثارة من تلك التي عرفها الفرنج في بلاد
الشام.
ومن الشمال، من أقصى الشمال، انحدر الكرج في حملات سنوية أو دورية منتظمة للاغارة على بلاد المسلمين في بلاد فارس، وفي أذربيجان، وفي أي بلاد تصله قواتهم، وكان على المسلمين هناك أن يخوضوا حربا ضارية ضد الغزو والأعمال العدوانية المتكررة.
هكذا اشغل كل اقليم من أقاليم المسلمين بهمومه ومتاعبه، وبمشکلاته، وحمل المسلمون السلاح في كل مكان، ضد من يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم وبأيديهم وبسلاحهم وبكل ما يستطيعون حشده من أجهزة القتل والابادة.
وكأن ذلك كله لم يكن كافية، وكأن كل مسلم يحتاج كل قوى الدنيا حتى تنال منه. وكأن كل مسلم حقا أقوى من كل قوى الشر والعدوان - ولم يطاله إلا ما كتبه الله له. فانتصر في كل مكان، وكان كل نصر على أي جبهة من الجبهات هو انتصار