تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عاتق الأطراف المتحاربة جميعها، وليس على عاتق طرف دون الآخرين.

يمكن بعد ذلك تجاوز كل ما يحتمل قوله من الحجج والذرائع لتعليل فشل الحملات الصليبية القديمة، من وجهة نظر الغربيين، ذلك أن تلك الحجج والذرائع جميعها تتجاوز حقيقة أساسية وثابتة، وهي أن الإسلام وجنده كانوا أقوى من الفرنج في عقيدتهم الدينية، وفي مذهبهم العسكري، وهذا هو سبب انتصارهم. وأما ما قيل بعدئذ من الحجج، وما يحتمل أيضأ قوله، فهو ليس إلا تمسك بالظواهر، وإلا إمعانا في التضليل والخداع - خداع الآخرين وليس خداع الذات - إذ أن أصحاب تلك التفاسير يعرفون يقينا السبب الحقيقي لانتصار الإسلام وأهله.

لقد زعم كثير من المؤرخين والباحثين الغربيين أنهم لم يجدوا في المذهب العسكري الإسلامي، وفي فن الحرب الإسلامي ما يمكن تعلمه، بينما وجدوا في كثير من العلوم والفنون والآداب ما يمكن تعلمه. وقد يكون ذلك صحيحة في مجال فن الحرب، إذ أن التعلم يتطلب استعدادا مسبقا للتعلم، كما يتطلب تطورة فكرية مناسبة. ويظهر أن الفرنج في تلك الحقبة كانوا يفتقرون لمثل ذاك الاستعداد، فاستعصى عليهم اکتساب العلم والمعرفة، واكتفوا باكتساب الظواهر فقط، وقد جاءت تفسيراتهم وتعليلاتهم بعدئذ موجهة لهذه الظواهر، فاذا يتعلمون من المسلمين وهم الذين جاؤوا المحار بنهم؟ - عقيدتهم الدينية ومذهبهم العسكري المستند إليها؟ أم فضائل المسلمين الحربية والمستندة إلى شريعة الله؟ أم مؤهلات القيادة الإسلامية والتي حدد الإسلام قواعدها ومرتكزاتها؟. وإذن فقد كان إعراض الفرنج عن التعلم ليس جهلا أو تجاه، وإنما كان إمعانا في الضلال وإيغالا في الجحود والانكار. ولم يكن باستطاعة المسلمين بداهة فرض علومهم العسكرية وفق الحرب المتوافر لهم على الفرنج، وهم على مثل هذه الحالة من التعصب الأعمى والانغلاق الفكري.

قام الفرنج الصليبيون بعد أن تم طردهم من بلاد الشام بتنظيم حملة صليبية جديدة، انطلقت من قبرص، وهاجمت الاسكندرية (سنة 797 ه = 1395 م) و نهبنها ودمرتها. وقد جاء في تاريخ الحروب الصليبية (749

/ 3) ما يلي: احتفل الصليبيون بانتصارهم، بما ارتكبوه من وحشية لا مثيل لها، وما وقع

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٦١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٦١٥