تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنجب المجتمع العربي الإسلامي أجيالا من القادة، لم تعرف الدنيا نظيرة لهم ولا مثيلا في تجردهم واخلاصهم و كفاءتهم. وتقود هذه المقارنة إلى حقيقة ثابتة ومعروفة. بالنسبة للمسلمين على الأقل - وهي أن الفضل في تكوين مثل هذه الفئة القيادية، إنما يعود إلى مدرسة الإسلام الدينية، التي صاغت للمسلمين مذهبهم العسكري، وحددت لهم نهجهم الواضح في أمور سلمهم وحربهم.

لقد زعم الباحثون والمؤرخون الغربيون - فما زعموه - أن فشل الحروب الصليبية، إنما يعود في قسم كبير منه لاختلاف الطبيعة الجغرافية والطبوغرافية، حيث كانت السهول الفسيحة، والصحارى الممتدة، تسمح للمسلمين باظهار تفوقهم في حرب الحركة. بينما اعتاد المقاتل الصليبي على إظهار تفوقه في المناطق الجبلية ومناطق الغابات التي تسمح بالاختفاء والتمويه و تنظيم الدفاع، وتحقيق الهجوم المباغت. وقد لا تكون هناك حاجة للرد على مثل هذه المزاعم. فلقد خاض العرب المسلمون حروبهم، وانطلقوا من صحراء الجزيرة إلى رحاب الدنيا التي ضمت السهول والجبال، المناطق الحارة والمناطق الباردة، الغابات والمناطق الجرداء، واستطاعوا التعامل مع البيئات الطبوغرافية المختلفة والأجواء المناخية المتباينة، فسارت جيوشهم عبر الصحاري المقفرة إلى الغابات المكتضة ومن السهول الرحبة إلى الجبال الوعرة. وقد جاء الخلف من المسلمين فساروا على هدي أسلافهم، ولم تشكل لا الموانع الطبيعية ولا الظروف الجوية عوائق أمام مسيرتهم الظافرة. ومقابل ذلك، فقد جاء الفرنج الى بلاد الشام، واجتاحوها وأقاموا إماراتهم على أرضها، وبذلك أكدوا أن الأحوال الجوية واختلاف الطبيعة الجغرافية، لم تشكل عائقا أمامهم، واستقر الفرنج في بلاد الشام زهاء مئتي عام. وتوالدت أجيال منهم على أرض بلاد الشام، فصاروا من حيث التكيف مع المناخ والتكيف مع الطبيعة الحيواستراتيجية مثلهم كمثل المسلمين سواء بسواء. وبالاضافة إلى ذلك، فان الامارات التي أقاموا حكمهم فيها: (الرهاء، أنطاكية، طرابلس، صيدا، القدس) تشابه في كثير من ملامحها بعض أقاليم أوروبا، بجبالها وغاباتها، بأمطارها و اعتدال مناخها، بأنهارها ومياهها. ولا ريب أن العامل الجغرافي، وعامل المناخ، من العوامل التي تلقي بثقلها في تحديد مجريات الأعمال القتالية، لاسيما في الأزمنة الغابرة، غير أنها هنا لم تكن ذات ثقل كبير، وإذا كان لها شيء من الثقل، فهو ثقل يقع على

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٦١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٦١٤