أعقبت الحروب الصليبية، حيث أخذ الأوروبيون عن المسلمين كثيرة من فن بناء القلاع وتحصينها وتزيينها واستمر ذلك حتى استخدام البارود في المدفعية فانتقلت القلاع والتحصينات من الذرى والقمم لتأخذ مكانها في باطن الأرض. وجاءت النار النووية لتزيد من عمق هذه التحصينات بعيدة عن ظاهر الأرض.
يمكن الانتقال بعدئذ إلى ما قبل عن تفوق المسلمين في وحدتهم السياسية - الدينية - رغم ما وقع بين ملوك المسلمين وامرائهم من صراعات وصلت في مرات كثيرة إلى الحرب. فتلك حقيقة لا تقبل الجدل، إلا أنه لا بد من التوقف مرة أخرى عند بعض ظواهر هذه الوحدة و عوامل تمزقها.
لقد كانت الوحدة بين أقطار العالم الإسلامي هي الحالة الطبيعية التي فرضها الإسلام في تنظيم المجتمع الإسلامي، غير أن هذه الوحدة كانت تتعرض بصورة استثنائية للتمزق - لعامل شخصي أو مصلحي عارض - فكان يتم قتال الفئة الباغية إلى أن تفيء إلى أمر الله - القاضي بالطاعة والجماعة، وتبعا لذلك كان هذا الذي يخرج عن الجماعة، أو ذاك الذي يقاتل لوحدة الجماعة يحتكمون الى المسلمين، و كانت موازين هذا الاحتكام هي العمل الخير الإسلام والمسلمين. فكان المتخاصمون كل يبذل جهدا أكبر لما فيه هذا الخبر، ولما تقتضيه مصلحة المسلمين ومن هنا كانت الخصومات والمنافسات سرعان ما تنجلي عن وحدة اتفاق، نظرا لوحدة الهدف. وقد حدث كثيرة أن استعان بعض أمراء المسلمين بالفرنج، واستنصروا بهم على اخوانهم المسلمين، ثم لم يلبثوا أن سارعوا للندم والتوبة، فأعادوا تقويم مواقفهم، وارتضوا بحكم الطاعة والجماعة. وقد حدثت أمثولات مشابهة لدى الفرنج، كما كان موقف کونت طرابلس - ريموند. قبل معركة حطين، غير أنها كانت حالة استثنائية بينما كان النقيض هو الحالة الاستثنائية عند المسلمين الذين كانت الطاعة والجماعة هي أساس تنظيم مجتمعهم وحياتهم.
وقد يكون من طبيعة الأمور في مجتمع هذه سماته، وهذه فضائله، وقد جابه التحديات الثقيلة، أن ينجب أجيالا من القادة الذين توافرت لهم كفاءة قيادية عالية. على مختلف المستويات القيادية. مثل ذلك كمثل ما حدث في عهد النبوة، عندما