هجاتهم المتتالية على مصر، ثم هجاتهم السنوية - الدورية. على بلاد المسلمين في الشام، إنما هو برهان ثابت على امتلاكهم للقدرة الحركية العالية، واستخدام هذه
كثير لا يدخل تحت مصر هي بعض ما تضمنته أي رد الغربيين، وفي الحقيقة فإن اشواطها بظهر أنها جميعها جزئيات في مسألة أشد عمقة، وأكثر اتساعة. وهذه المسألة القدرة في الأعال الهجومية. ولكن المسلمين تفوقوا على الفرنج في مجال السياسة الاستراتيجية كما تفوقوا عليهم في فن العمليات، فحرموهم من حرية عملهم العسكري، واستنزفوا قدرتهم، فأمكن لهم الانتصار عليهم. أما الاعتماد على قصة القلاع والتحصينات التي استخدمها الفرنج في بلاد الشام، وأقاموا فيها، واعتبارها شاهدة على نهج الفرنج الدفاعي، فهي قصة تفتقر للدقة والواقعية، إذ برهن عرض الأحداث أن هذه القلاع والتحصينات ما كانت ? بالنسبة للفرنج - إلا القواعد المتقدمة للعدوان والتوسع على حساب بلاد المسلمين. أما عن قصة نجاح المسلمين في إعادة فتح القلاع والحصون - دفعة واحدة. فهي ليست قصة انتصار الهجوم على الدفاع - ولو أن الهجوم هو الذي ينتصر عادة على الدفاع - بقدر ما هي انتصار التفوق الاستراتيجي، على الضعف الاستراتيجي، إذ أصبح باستطاعة المسلمين وقد امتلكوا هذا التفوق، أن يحشدوا القوى والوسائط الكافية، وأن يعيدوا فتح القلاع والحصون بعد حرمانها من كل امكانات الدعم الخارجي.
وهنا لا بد من القول أيضا أن المسلمين قد أظهروا تفوقة واضحة في التعامل مع القلاع والحصون، وفي استخدام وسائل الحصار (المنجنيقات والأبراج وسواها) وفي أعمال النقب والتفجير، ولكن ذلك كله لم يكن ليضمن تحقيق مثل تلك الانتصارات الرائعة، بمثل تلك التضحيات البسيطة نسبيا - أو المقبولة .. لو لم يمتلك المسلمون ميزة التفوق الاستراتيجي - على نحو ما سبق ذكره .. أما عن القلاع ودورها التاريخي في الدفاع، فهو أمر لا يقبل الجدل أو المناقشة، فالمعروف أن الدفاع والهجوم مما مرحلتان متكاملتان، لا غنى لأحداهما عن الأخرى، وقد كان دور القلاع والتحصينات في الماضي مماثلا تماما لما هو عليه دور التحصينات الدفاعية في الأزمنة الحديثة، وقد عرف المسلمون ذلك وأتقنوه، کما عرفه الفرنج أيضا واستخدموه، بدلالة إقامة القلاع والحصون في مناطق الحدود بين دول أوروبا، لاسمها في الفترة التي