تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الموقف. ولعل الظاهرة المثيرة في ذلك كله هو أن استدعاء الجيوش العاجل، كان يأتي غالبا في أعقاب حدث هام، أو مذبحة يتعرض لها المسلمون، وكان من طبيعة الأمور. وفي ذاك العصر خاصة بحسب الشواهد التاريخية المتوافرة، ومنها تجارب الحروب الصليبية ذاتها - أن تظهر الجيوش نوعا من التقاعس أو التكاسل، في حين كان موقف الجيوش الإسلامية مناقضة، إذ كانت النكبات والكوارث تزيد من مشاعر الغضب، وتحفز على المزيد من خوض غمار القتال. وقد يكون من الصعب تفسير هذه القاهرة بغير إرجاعها إلى موقعها من فن الحرب الإسلامي المستند في مرتكزاته وقواعده إلى الدين الإسلامي.

وكما كان دور الدين الإسلامي، ومذهبه العسكري، أساسية وحاسما في الاعداد القنالي للقوات، فقد كان دوره مماثلا في تنظيم العلاقة بين قادة المسلمين وقواتهم، ولقد كان أمراء الزنكيين والأيوبيين والمماليك، نسيجة واحدة رغم تباين قبائلهم واختلاف شعوبهم وتباعد مواطنهم وظروف نشوئهم وبروزهم على سطح الأحداث. فقد كانوا جميعا نماذج رائعة في التجرد والاخلاص والتضحية وسواها من الفضائل القيادية والفضائل الحربية، إنها لا تختلف أبدأ عن نماذج السلف الصالح من أمثال خالد ابن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص والقعقاع بن عمرو التميمي وسواهم ممن لا يطالهم حصر، ولا يجمعهم إحصاء. فكانت علاقتهم بجندهم قائمة على العمل المشترك للهدف الواحد، ولهذا لم تكن هذه العلاقة هي علاقة مصلحة - ولو أنه كان من مصلحة الأمراء وجندهم إقامة مثل هذه العلاقة والمحافظة عليها - بل كانت علاقة نبيلة لارتباطها بالهدف النبيل للحرب ذاتها. وهو الهدف الذي كان يضمن التلاحم بين جماهير المسلمين وبين جندهم وقيادتهم التي تمثل القيادة السياسية والقيادة العسكرية - مفهوم الأزمنة الحديثة .. وكان دور القيادة أيضا هو تنسيق الجهد العسكري مع جهد القاعدة الواسعة لجماهير المسلمين.

ما من حاجة للحديث عن مكان القائد في المعركة أيام الحروب الصليبية، إذ أن مكانه بقي ثابتة ولم يتغير .. فهو مع المقدمة والطلائع في التقدم، وهو مع المؤخرة - الساقة - أثناء التراجع والانسحاب. وهو في القلب عند اتخاذ النظام القتالي

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٦٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٦٠٨