(الصف). وهو مع أحد الجناحين بحسب ما يتطلبه الموقف، إنه دائما يستأثر بمواظن الخطر، ولم يكن ذاك حبا بالخطر والمجازفة، وإنما لاتخاذ القرار المناسب وتنفيذه مباشرة، في أشد مواطن الخطر الحاح، ولطالما أشفق أمراء المسلمين، وشيوخهم، على قائدهم الأعلى من استئثاره بمواطن الخطر، ولطالما التمسوا منه الاشفاق على المسلمين من مكروه ينزل بهم، إن أصابه مكروه. وغريب ما في الأمر أن الاجابة التي جاءت على لسان ذاك النفر من القادة الكبار:
ومن أنا حتى يقال هذا، الله الذي حفظ الإسلام وأهله، هو الذي يتكفل بما
وكما كان موقعه في الحرب، كان موقفه أيضا في الادارة والحكم، حيث كانت ممارسة هذه الادارة التنقل باستمرار، بين عاصمة وأخرى، وقرية وأخرى، لحث المسلمين على الجهاد، وتعبئة قواهم. والنظر في أمورهم، ومعالجة مشكلاتهم، وتأمين متطلباتهم على أسس الحق والعدالة وقواعد الشرع الإسلامي، مستعينا في سلمه وحربه بكبار رجال الدين والفقهاء المخلصين والعلماء الصالحين.
لقد جاء الفرنج الصليبيين إلى بلاد الشام، وظهروا على أنهم قوة مجهولة المعالم، مجهولة القوة، مجهولة الهدف، وتعامل المسلمون مع مجموعة من القوى المجهولة، فكانت معار کهم الأولى، رغم ما ظهر فيها من البطولات، ورغم ما تميزت به من المهارات والكفاءات القيادية إلا أنها كانت معارك استطلاع بالقوة - إذا ما جاز التعبير - هدفها التعرف على هذا المجهول، وتحديد النهج الأمثل للتعامل معه، فكانت تلك المعارك برهانا على تفوق المسلمين في فن العمليات، وفي الأساليب التعبوية. التكتيكية - ثم أخذت ملامح الصراع أشكالها الواضحة على مستوى السياسة. الاستراتيجية. وكان الفضل في ذلك لجماهير المسلمين وقياداتهم على السواء. حيث كانت عيون المسلمين ترصد بدقة أعمال العدو، وتنظيماته، وقواته، ومواطن ضعفه وقوته. ثم تتناقل هذه المعرفة في وسط الجماهير وقياداتهم، مما أسهم في صياغة المفاهيم المشتركة للصراع، غير أن ذلك لا ينتقص من دور القيادات الإسلامية في تنظيم