تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الهدف، بشرط أن تستنزف هذه الضربات من جهد الفرنج وقدراتهم بأكثر ما تلحق الضرر بالمسلمين. ولذا كان تجنب المعركة الحاسمة. التصادمية. من مصلحتهم. وكان الفرنج بدورهم يريدون المحافظة على قواعدهم التي استولوا عليها، ومن ثم متابعة التوسع، فكانت ضرباتهم في مناطق الفراغ - أو النقاط الضعيفة، وتجنب المعركة التصادمية، هو في مصلحتهم. ولذا تميز الصراع بالمسيرات الطويلة والهجات العنيفة، والانسحاب السريع. وكان كل طرف يحقق کسبأ في منطقة من المناطق، أو في إمارة من الامارات، ليخسر. عن طيبة خاطر - في مناطق أخرى. ولهذا تداخلت الحدود - کتداخل أسنان المشط. وبرزت القلاع والحصون على خطوط غير منتظمة. إلا أنها ذات أهمية طبوغرافية. جيواستراتيجية حاسمة.

لقد ظهرت للمسلمين فائدة التعامل مع جبهة الفرنج على أنها جبهة واحدة في مناسبات كثيرة، كان أولها وأوضحها عندما توجهت قوات المسلمين إلى مصر. ففي المرات الثلاث. أو الحملات الثلاث - واجه أسد الدين شير کوه، وابن أخيه صلاح الدين الأيوبي - ثقل قوات الفرنج المتفوقة على أرض مصر. فما كان من نور الدين زنكي إلا أن قام بهجمات ضخمة هدد فيها امارات الفرنج و مملكتهم في القدس تهديدا خطيرة مما أرغمهم على الانسحاب من مصر وتخفيف الضغط عن قوات المسلمين فيها. وحدث مثل ذلك أيضا أثناء حملة ملك فرنسا - لويس التاسع - على دمياط والمنصورة. وتكررت هذه الظاهرة. ما أرغم الفرنج على الاحتفاظ بقوات كافية في قلاعهم وحصونهم ومدنهم، للدفاع عنها وحمايتها، الأمر الذي أدى بالتالي إلى حرمان الفرنج من قدرتهم الحركية، ووضع حدا لحرية عملهم العسكري، و بهذا صار باستطاعة المسلمين حشد أكبر قدر من قواتهم للاستيلاء على الهدف الذي يريدون، وإعادة فتح القلعة والحصن الذي يرغبون ويصممون. وتحولت بذلك كافة مراكز الفرنج القوية إلى نقاط ضعيفة، مما ساعد على إعادة فتحها وطرد الفرنج منها.

يظهر ذلك بوضوح مدى التطور الكبير، والتعقيد الشديد الذي بلغه فن الحرب الإسلامي، أيام الحروب الصليبية، ولم يكن هذا التطور وذاك التعقيد مقتصرة على المفاهيم أو الأسس الاستراتيجية، وإدارة الحرب، وإنما كان شاملا

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٦٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٦٠٥