بالمبادأة، وتزج بقواتها لخوض معركة ضارية. وعندها كانت قوات المسلمين إما أن تخوض المعركة مرغمة. في ظروف غير مناسبة، وغالبا ما كانت تدفع الثمن غالية، وتنسحب إذا ما استعصى عليها تحقيق النصر، وإما أن تنسحب تحت حماية مؤخرات قوية. لتعيد تنظيم قواتها. ومهما كان عليه الأمر، فقد تميزت هذه المعارك التصادمية بالعنف الشديد، والذي وصفه المؤرخون بعبارات دقيقة مثل: واشند القتال بين الطرفين، حتى أفرغ الصبر، وحتى ظن الطرفان أنه الهلاك والفناء .. ومثل و اقتتل الناس قتالا لم يسمع مثله أحد أو عرفه .. وسوى ذلك من التعابير التي تبرز مدى ما كان عليه القتال من الشراسة والضراوة، حيث يحاول كل طرف انتزاع النصر مهما بلغ الثمن، ومهما تطلب ذلك النصر من التضحيات. على أنه كان بالمستطاع في كثير من الأحيان تجنب المعركة التصادمية، نظرا لما تتضمنه من المجازفات والمخاطرات والنتائج
غير المضمونه، والاستعاضة عنها بتوجيه الضربات الى المناطق الأضعف والأقل مقاومة. ومثال ما كان يفعله الطرفان عند علمها بحشد قواتها في منطقة معينة، فيتم توجيه الضربات العنيفة إلى مناطق بعيدة جدا عن مناطق الحشد. وقد حدث في مرات كثيرة أن وجه المسلمون ضرباتهم إلى مناطق الجليل، أو بلاد الساحل، عندما تكون قوات الفرنج محتشدة في الشمال. أو توجيه الضربات الى الشمال عندما تكون قوات الفرنج محتشدة في الجنوب. وقد فعل الفرنج مثل ذلك. حيث كانوا يركزون ضرباتهم على مناطق الفراغ، أو مناطق الضعف، بحيث يحققون أكبر قدر من المكاسب المادية والمعنوية، بثمن مقبول أو محتمل. حتى إذا ما توافرت لهم المعلومات عن تحرك جيوش كبيرة من المسلمين لقتالهم. انسحبوا سراعا وعادوا الى قواعدهم - مدنهم و اماراتهم - مكتفين بما حققوه من نصر، وما حصلوا عليه من الغنائم.
أدرك المسلمون منذ البداية أن الإمارات التي أقامها الفرنج على أرض بلاد الشام، تشكل مع مملكة القدس جبهة واحدة، وأن هذه الامارات، مع مملكتها، ما هي إلا قواعد للعدوان والتوسع. ولهذا فقد تركز الجهد الأساسي للمسلمين لحصر هذه (الممتلكات) التي سيطر عليها الفرنج، ضمن حدودها، وبذلوا كل ما في وسعهم لاستنزافها وعدم السماح لها بالتوسع. ولهذا كانت أي ضربة على أي إمارة تحقق
فن الحرب - الحروب الصليبية م 2