لقد أظهر المسلمون تفوقهم في هذا النوع من المعارك، إذ كانوا يحرصون على اختيار الأرض المناسبة لحرب الحركة، والتي تسمح لهم باجراء التطويق المزدوج، والتي تتوافر فيها امکانات انتشار القوات واخفائها وتمويهها. فكانوا يعملون على نشر قواتهم خلف التلال، ويدفعون قوة كافية للاشتباك مع الفرنج، ثم يتظاهرون بالهزيمة (يتطاردون أمامهم) مما يغري قوات الفرنج للانقضاض بكل ثقلهم على القوة التي تواجههم، غير مدركين أن هذه القوة ليست إلا قسما من الجيش الأساسي. وعندها يجدون أنفسهم وقد أحيط بهم من كل جانب، فتتحول المعركة إلى مذبحة قاسية. وتحاول قوات الفرنج الخروج من دائرة الحصار، فتفشل في ذلك، إلا فلولا ممزقة منها تحمل جراحها لتخبر عما تعرضت له قوات الفرنج من كارثة. وقد جرت معركة حطين على هذا النحو، ومثلها كانت معركة عين جالوت، ومثلها أيضا معركة المنصورة، وكثير من المعارك الكبرى وحتى الصغرى.
لقد عرف الفرنج تفوق المسلمين عليهم في أساليب حرب الحركة، فحاولوا تجنب الاغراء الذي كان يقدمه لهم المسلمون لجرهم إلى أرض القتل، وامتنعوا عن المطاردة في
كثير من الأحيان، الأمر الذي حرمهم من القدرة على الحسم في ميدان المعركة. وبات باستطاعة المسلمين إذا ما استعصى عليهم إحراز النصر، الانسحاب الى موقع قريب، وإعادة تنظيم قواتهم، أو استقدام قوات دعم إضافية لخوض المعركة ذاتها أو البحث عن معركة جديدة. كما حاول الفرنج اللجوء إلى إقامة الموانع، وحفر الخنادق، لحرمان المسلمين من ميزة تفوقهم في حرب الحركة، إلا أنه كان باستطاعة المسلمين الافادة من نقطة ضعف في تنظيم العدو القتالي للانقضاض عليه. ولقد تطلب ذلك بالضرورة، إجراء عمليات الاستطلاع بالقوة - الاغارات والهجات المباغتة والانسحاب - المعرفة حدود التنظيم القتالي للفرنج، وطبيعته، وقوته، من أجل توجيه القوات نحو الهجوم الحاسم الذي يبدأ عادة بتطويق العدو وحصاره.
كانت قوات الفرنج تحاول قدر المستطاع تجنب الصدام في المعركة التصادمية، إلا إذا أمكن لها تحقيق المباغتة. وكان يتم لها ذلك في بعض الأحيان، وعندها تمسك