التي إليها ينتسبون، ومن أجل قضيتها يحاربون فيقتلون، ويقتلون، ويؤسرون ويأسرون. وكان هذا الرباط المعنوي أشد قداسة وأكثر أهمية بالنسبة للمسلمين، وقد تكون النتيجة المباشرة واحدة بالنسبة للطرفين المتصارعين، غير أن النتيجة غير المباشرة. أو البعيدة. كانت مختلفة تماما، إذ أنها زادت من تلاحم المسلمين وتماسكهم، بينما أدت إلى تفتت الجبهة الداخلية للفرنج وضعفها.
لقد بقي الإنسان المسلم عزيزة على الدولة الإسلامية، كريمة على الأمة الإسلامية، رغم ما أنزلته الحروب الصليبية بساحته من النكبات، وما تعرض له من البلاء والابتلاء. ولقد أظهر عرض الأحداث مدى اهتمام أمراء المسلمين بجندهم وأمتهم. لا باعتبارهم قدرة انتاجية، ولا باعتبارهم قدرة مقاتلة - بل باعتبارهم كرماء لما کرمهم الله به من الإسلام ولهذا فكان كل عمل يقوم به الفرنج ضد المسلمين كان امراء المسلمين يقابلونه برد أقوى، وأكثر عنفا. وصحيح أنهم لم يستطيعوا مجاراة الفرنج بفظائعهم ومذابحهم، بسبب تناقض هذه الفظائع والجرائم مع الفضائل الحربية للمسلمين، إلا أنهم كانوا في ميادين القتال أشد بأسا على الفرنج، وأقسى انتقامة، غضبة لله ودينه وأمته، (أشداء على الكفار رحماء بينهم).
وقد ظهر ذلك بوضوح أكبر في صراعات المسلمين بعضهم ضد بعض، إذ كان الصراع لا يتجاوز على الأكثر حدود الحصار، والاشتباكات الثانوية، وكثيرا ما حدث أن تنازل أحد الأطراف عن حقه رغم ما يمتلكه من القدرة والقوة، حقنا لدماء المسلمين، وحفظا لقدراتهم، بينما كان الصراع الداخلى للفرنج يأخذ شكلا وحشية رهيبة لا رحمة فيه، مثل ما تعرضت له القسطنطينية على يد الفرنج من نهب وتدمير واستباحة (سنة 100 ه = 1203 م). وكذلك ما حدث من قبل، عندما أغرت الكنوز والثروات المتراكمة في قبرص، أحد الأمراء الفرنج - رينالد شاتيون - بقيادة حملة إلى قبرص (سنة 051 ه = 1154 م). وصفتها المصادر التاريخية بما يلي:
ارصار الفرنج والأرمن بذرعون الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها، ينهبون ويسلبون كل ما أبصرره من العائر؛ من الكنائس والأديرة والدكاكين والمنازل الخاصة. وأشعلوا الحرائق في المحصولات الزراعية، وقاموا بتطويق القطعان