زراعية متصلة، وحتى تحول إلى منطقة مكتظة بالسكان، تضج بالحياة، بعد أن كانت خرابة. واستمروا على هذا النهج وطوروه في سائر بلاد الشام. ولم يكن جهدهم لفم مصر لمسيرة الجهاد في سبيل الله، إلا ليتقوى بها المسلمون على أعدائهم، وللإفادة من مواردها البشرية والزراعية. فربطوا بذلك بين التكامل الاقتصادي والكمون الحربي في صورته البسيطة الأولى. وإذ لجأ الفرنج للإفادة من أسرى المسلمين لاعمال الزراعة والبناء، فليس هناك ما يمنع من استخدام الوسيلة ذاتها، لاسيما وأنه توافر في مصر في بعض الأوقات آلاف الأسري - الذين فاقوا في عددهم ما ضمته جيوش مدن الفرنج من أعداد المقاتلين. فتم توجيههم لاعمال الزراعة والبناء وسواها من الأعمال التي تتطلب جهد الطاقة البشرية. فكان الفرنج هم الخاسرون دائها، إذ بينما كانت المساحات الزراعية التي استولى عليها الفرنج محدودة وضيقة. كان لدى المسلمين من الموارد المائلة ما يضمن لهم الامداد المنتظم لقواتهم. فكانت أعمال التدمير المتبادلة تلحق الضرر بالفرنج أضعافا عا كانت تلحقه بالمسلمين. هذا بالاضافة إلى امتلاك المسلمين قدرات أكبر و امکانات أوفر لحماية اقتصاد هم وممتلكاتهم ضد هجمات الفرنج المباغتة، نظرة التفوقهم في أساليب الحركة، وفي الأساليب الهجومية.
لقد أثار المسلمون أكثر من حرب ضارية، بسبب استيلاء الفرنج على قافلة تجارية، أو بسبب إغاراتهم العنيفة على اقليم من أقاليم بلاد الشام ونهبه وتدميره. وقد يبدو ذلك غريبا للوهلة الأولى، إذ قد لا يستحق ضياع قطيع من قطعان الأغنام، أو فقد قافلة من القوافل، إجراء مثل تلك الحشود، وتحمل مثل تلك المشقة، والتعرض لمثل تلك الخسائر، لاسيما وقد ملك الفرنج مدن ومناطق أكثر قيمة من القطيع أو القافلة. غير أن المسلمين لم تكن نظرتهم محددة بالقيم المادية، بل كان ما هو أكثر أهمية بالنسبة لهم: المحافظة على أمن المسلمين وروحهم المعنوية، واستعدادهم القتالي. وهنا يظهر الفارق المميز بين حرص الفرنج على استعادة أسراهم وبين حرص المسلمين على استعادة أسراهم، فلقد كان الفرنج يرغبون في استعادة الأسرى لزيادة قدرتهم القتالية والانتاجية والإدارية، في حين كان المسلمون يعملون على استعادة الأسرى حفاظا على فضائل المسلمين و تجنيبهم مذلة الأسر، ومهانة فقد الحرية، وحملهم على الاعتزار بالأمة