تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للضائقة التي نزلت بهم .. وأدر کو أن مثل هذه الضائقة لا يمكن لها أن تقضي على وجود الفرنج. فكان في رأيهم استثمارها والإفادة منها.

يمكن مقارنة هذا الموقف بموقف مضاد جاء بعد اثني وسبعين عاما، ففي سنة 108 ه = 1259 م. خرج المضفر قطوز بجيش المسلمين الضخم من مصر لقتال المغول التتار، واضطر للسير على امتداد الساحل للوصول الى الشمال، کما اضطر للحصول على المواد التموينية والامدادات لجيشه الكبير، فأرسل سفارة إلى عكا. ووافق الفرنج على السماح لجيش المسلمين بالمرور من أراضيهم، وقدموا له ما يحتاجه، بل ذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك عندما استضافوا أمراء الجيش في عكا، واستقبلوهم ونظموا لهم الزيارات، ولم يكن ذلك مجرد ظاهرة من ظواهر الفروسية التي اشتهرت بها حروب القرون الوسطى، بقدر ما كانت استجابة طبيعية لمتطلبات التعايش خلال فترة حروب استمرت مائتي عام، ولقد أفاد الفرنج - مرحلية - بالحصول على أموال وخيول وسواها دعمت من قدرتهم الحربية. وهكذا كان التعاون التجاري ذو هدف واضح وهو دعم القدرة القتالية الذاتية للطرفين المتصارعين.

لقد عرفت الحرب الصليبية القديمة نوعة مميزة من الحرب الاقتصادية ذات الفئواهر المتعددة، والأشكال المتنوعة، منها التدمير المتبادل للموارد الزراعية، ومنها النهب المتبادل للقرى والمدن، ومنها استخدام الأسرى لأعمال الزراعة والصناعة والبناء، و منها الهجوم على القوافل التجارية. ومنها أيضا أعمال الحصار والتطويق والعزل للمدن والحصون. و كانت البداية على أيدي الفرنج عندما عملوا على تدمير كل ما يصادفونه في طريقهم خلال هجومهم الأول. ولكن سرعان ما تبين لهم أنهم هم الخاسرون من هذا التدمير، إذ بقي الشريط الساحلي، وما يتضمنه من المزارع والحقول هو موردهم الحياتي الأول، وعليه يعتمدون في تأمين متطلباتهم التموينية. كما كانت مواردهم البشرية موجهة بصورة أساسية للحرب لا للزراعة والبناء والصناعة، ولم تكن لديهم أصلا المهارات الصناعية التي عرفتها أقطار العالم الإسلامي، وخاصة ما اشتهرت به بلاد الشام وصناعها من المهارات. فتوقفوا عن أعمال الإبادة، وأخذوا في الاحتفاظ بالأسرى لاستخدامهم للبناء والزراعة والصناعة. وقد بقي هذا شأنهم حتى وقت

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٥٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٥٩٧