تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يكن ملوك المسلمين وأمرائهم يخافون من العمل السياسي، طالما أن هذا العمل لا ينتقص من قدراتهم الذاتية، ولا يحد من حرية عملهم العسكري إلا بقدر ما يجد أيضا من حرية العمل العسكري للفرنج ذاتهم. وكانوا على ثقة دائما أن الصراعات بين مراكز القوى للفرنج، وأن التكوين العدائي للفرنج، وأن الدور الذي تمارسه الطوائف الدينية والعناصر المتطرفة، سيفجر في النهاية كل جهد سياسي، وأنه لا بد من استئناف الحرب، ولعل هذا السبب هو الذي حمل مؤرخي المسلمين على التمسك باصطلاح (الهدنة) عند عقد كل اتفاق سياسي بين المسلمين والفرنج.

وعرف المسلمون منذ البداية أن كيانات الفرنج على أرض بلاد الشام، ومملكتهم، و إماراتهم، مرتبطة برباط. أو بروابط - وثيقة بملوك الغرب، ولهذا فقد حرصوا على خوض الصراع السياسي - الديني - معهم. وأمكن لهم اصطناع صداقات كانت مفيدة في كثير من الأحيان، مثل تلك التي انعقدت أواصرها بين صلاح الدين الأيوبي وريتشارد قلب الأسد. ومثل صداقة فريدريك الثاني مع الكامل، ومثلها صداقة ادوارد ملك انكلترا والظاهر بيبرس. وكذلك صداقة ملك صقلية - شارل انجو - مع بيبرس و قلاوون. وأفاد المسلمون من هذه الصداقات لكبح جماح تطرف الفرنج، و إثارة التناقضات بينهم، بل إن فريدريك الثاني كان يزود الكامل بالمعلومات عن الحملات الصليبية المحتملة (حملة لويس التاسع التي انتهت في تونس). ويتبادل الرسائل في بعض القضايا، غير أن العمل السياسي من خلال هذه العلاقات لم يعطل من مسيرة الصراع المسلح، ولم يكن بديلا عنها، وانما استخدم الدعم الصراع المسلح وتطويره. وذلك لايمان المسلمين وقادتهم إيمانا مطلقا بحتمية انتصار الحل العسكري في النهاية، فكان عملهم السياسي مع ملوك الغرب هو لاقناعهم بصورة مباشرة بعقم مشروعهم الصليبي وعدم فائدته، بينما كان الجسم على أرض القتال هو وسيلة الاقناع المباشرة.

وهكذا عمل المسلمون على تحويل الكيانات الصليبية إلى أعباء مرهقة، أرهقت ملوك الغرب، واستنزفتهم، وجعلتهم يقفون في النهاية موقف المتفرج عندما انهارت عکا ? آخر کيانات الفرنج التي بقيت على أرض الشام .. ولعل من المثير حقا ملاحظة أن الصراع السياسي الذي برز أكثر من سواه قد جاء مقترنة باسماء كبار

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٥٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٥٩٤