تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومقابل ذلك، وعلى الرغم من الفشل الذريع والهزية المنكرة التي نزلت بقوات الفرنج في المنصورة، فقد استطاع لويس التاسع تحقيق مكتسبات كثيرة لم يكن يحلم بها وهو أسير في المنصورة، ولم يكن ذلك إلا نتيجة لتمزق جبهة المسلمين وتنافر أقطابها وصراع ملوكها وامرائها. وتكررت هذه الظاهرة ذاتها عندما جاء فريدريك الثاني، فأفاد من تمزق الجبهة الإسلامية لانتزاع المكاسب من كل أمراء المسلمين المتصارعين.

لقد سبقت الإشارة إلى أن الصلح الذي عقده فريدريك الثاني مع السلطان الكامل (سنة 136 ه = 1228 م) والتي قضت باعادة القدس الى الفرنج، لم تعجب المسلمين ولم تحظ برضى الفرنج، فقد وجد الفرنج أنها لا تحقق الحد الأدنى من طمعهم، ووجد فيها المسلمون غدرة بتضحياتهم وجهودهم: وتفريطا بما أحرزوه بقوة السلاح، وكان الوفاء لأرواح الشهداء، وتضحياتهم عاملا وضعه الطرفان في اعتبارهما، مما حمل مجاهدي المسلمين ومقاتلي الفرنج على رفض الاتفاق، الذي لم يعمر طويلا على كل حال، إذ سرعان ما اندفعت جماهير المسلمين لاحباط الجهود السلمية، فتم طرد الفرنج نهائيا من القدس على أيدي الخوارزمية)، وسبقت الإشارة أيضا إلى أن هذه الاتفاقات قد أدت أحيانا إلى نشوب صراعات دامية بين الفرنج. مثل ذلك القتال العنيف الذي اندلع بين البنادقة والبيازنة والجنويين - على امتداد ساحل بلاد الشام، والذي استمر طويلا، واستنزف كثيرا من قدرة الفرنج وامكاناتهم.

لقد عرف ملوك الفرنج ما بين ملوك المسلمين وامرائهم من صراعات وتناقضات فاستثمر وها. غير أن ملوك المسلمين وأمرائهم لم يكونوا أقل معرفة بالفرنج وما بين مراكز القوى المختلفة من تناقضات. وقد أمكن لهم في مرات كثيرة استثمار هذه التناقضات بصورة جيدة لتمزيق الجبهة الداخلية للفرنج وإضعافها واستنزافها. وقد أظهر ملوك المسلمين وامراءهم. عامة. كفاءة عالية في استخدام قدرتهم العسكرية التعميق التناقضات بين الفرنج و مراکز قواهم المختلفة، فكانوا يمنحون حمايتهم ورعايتهم للمتعاونين معهم من الفرنج، في حين يشتدون في حربهم وعدائهم لمن يعاد و نهم. مما حمل ملوك الفرنج وامرائهم على التماس صداقة أمراء المسلمين، والتعاون معهم إلى درجة التحالف في مرات كثيرة.

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٥٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٥٩٣