تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وثالثها: واستنادا إلى الحقيقة السابقة أيضا، فقد كانت التسويات السياسية لا تحظى باحترام المقاتلين على جبهتي الصراع، نظرا لتناقضها مع الأهداف التي تكونت القناعة بفائدتها وأهميتها عبر الصراع المسلح المرير، وعبر التوجيه الفكري والديني، فكانت مقاومتها التدرجية على مستوى المقاتلين هي البداية. دائما - للعودة إلى الصراع المسلح

ورابعها: أن هذه التسويات لم تكن باستمرار متوافقة مع مراكز القوى المختلفة على جبهتي الصراع، ولا منسجمة مع مصالحها، مما كان يفسح المجال للصراعات الداخلية وتفتيت القوى الكامنة في جبهات الصراع. وكانت القيادة الأقوى، هي القيادة التي تستطيع الهيمنة على مراكز القوى المتنافرة. وحملها بالإكراه على قبول التسويات السلمية. غير أن هذا الإكراه لم يكن ليزيل عامل (المصلحة). فكان ضعف الضغط القيادي لسبب من الأسباب الطبيعية أو الاصطناعية - الانفعالية - كافية لإعادة تفجير الموقف.

وخامسها: أنه كلما توافرت للقيادة مركزية قوية، كلما أمكن للتسويات السياسية، أن تحقق نجاحات أكبر، وأن تتضمن قدرة أقل من الخسائر والتنازلات. وكلها تنافرت مراكز القوى وتمزقت كلما حقق أحد الأطراف - الذي يمارس المركزية القوية في القيادة - أن يحقق مكاسب أكبر على حساب مراكز القوى المتنافرة.

لقد جاءت الحملة الصليبية الثالثة، وخاض قائدها (ريتشارد قلب الأسد) صراعة مريرة ضد قوات المسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي، ولكنه عندما أدرك أنه من المحال عليه وعلى قواته الوصول الى القدس. وأنه من الصعب الحصول على انتصارات حاسمة، اكتفى بما حققه من انجاز وهو تجميد قوات المسلمين وحرمانها من فرصة تطوير مكتسباتها وأعمالها القتالية، وشرع في إجراء المفاوضات مع صلاح الدين، وقد استمرت هذه المفاوضات زهاء عام كامل، وتخللتها معارك واشتباكات كثيرة. حاول الطرفان بواستطها الحصول على انجازات تساعد على دعم الحوار السياسي، وفي النهاية، وعندما تم الاتفاق السياسي، لم يتضمن أكثر من تجميد للوضع العسكري وبصورة

مؤقتة.

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٥٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٥٩٢