تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبشكل أكثر وضوحا، عندما قدم ملك فرنسا لويس التاسع على رأس حملته، واحتل دمياط. فنصحه الفرنج المقيمين في بلاد الشام بقبول مبادلة القدس بالانسحاب من دمياط، غير أن ملك فرنسا المشبع بروح الصليبية الأولى، امتنع عن اجراء حوار سياسي مع المسلمين. فهو ما جاء على رأس جيشه إلا القتال الكفار - المسلمين -. وإذ تم أسره وتدمير جيشه، أصبح مقتنعة بأهمية الصراع السياسي، وتبين له فائدة هذا الصراع عندما استطاع أن ينتزع مکاسب من جميع أمراء المسلمين والافادة من صراعاتهم الداخلية، لضرب بعضهم ببعض، واستثمار التناقضات لحل مشكلات الفرنج على حساب المسلمين وبلادهم. واستمر بعد ذلك الصراع السياسي والصراع الاقتصادي في ممارسة الدور المهيمن - بصورة عامة - على الصراع السياسي، والموجه له. ولكن بقي الصراع المسلح هو الأداة النهائية لحل التناقضات، عندما تصل هذه التناقضات إلى مأزق صعب لا يمكن حله إلا بالعودة إلى الاحتكام للسلاح. وهذا ما يفسر تباعد الحدود الزمنية الفاصلة بين المعارك الكبيرة والاشتباكات الحاسمة.

تشتهر عملية استعراض الأحداث والوقائع المرتبطة بالصراع السياسي مجموعة من الحقائق:

أولها: لقد كان كل طرف من الأطراف المتصارعة يحاول تحقيق أكبر قدر من المكاسب التي لم يتمكن من تحقيقها بقوة السلاح، وأن هذه المكاسب ذات صفة مرحلية، غير ثابتة ولا مستقرة، نظرا لاعتقاد الأطراف المتصارعة بأنها لا تمثل حتى الحدود الدنيا من أهدافها، غير أن ظروف الصراع المسلح - الداخلية والخارجية - قد فرضت اللجوء اليها وقبولها.

وثانيها: واستنادا إلى الحقيقة السابقة، فقد كان كل طرف من الأطراف المتصارعة يحاول استثمار كافة الظروف الداخلية والخارجية من أجل إعادة بناء قدرته الذاتية، وتنظيم قواته المقاتلة، ودعم جبهته الداخلية، وتسوية مشكلاته، استعدادا لالغاء المكاسب السياسية، وزيادة هامش العمل العسكري بما يتوافق وأهداف الصراع الأساسية.

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٥٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٥٩١