الجحافل اصطدمت منذ انطلاقتها بالقوات الإسلامية في أقصى الشرق. وحلت الدولة الخوارزمية عبء المواجهة الأولى، حيث دارت معارك ضارية، استنزفت كثيرة من قدرة المغول. وعلى الرغم من استخدام المغول التتار الأساليب الوحشية كالإبادة والتدمير لكل ما على سطح الأرض من مظاهر الحياة، بهدف إدخال الرعب في قلوب المسلمين، وحملهم على الاستسلام دونما مقاومة. إلا أن هذه المقاومة لم تتوقف، وقد كان من الغريب حقا. بالنسبة للفرنج والمغول على السواء. أن تصمد المدن الإسلامية في وجه المغول التتار، وأن تقاوم جحافل البرابرة، قدر استطاعتها بل وبأكثر من استطاعتها، رغم معرفتها بما ينتظرها على أيدي الغزاة التتار.
وهكذا استمر المسلمون في استنزاف قدرة التتار واضعافها حتى إذا ما وصل سيلهم إلى فلسطين، كان قد بلغ غايته. وهذا لا يعني أن المغول في هذه المرحلة قد فقدوا كل قوتهم، ولكنهم وصلوا إلى مرحلة التوازن الاستراتيجي مع جيش مصر. وجاء تفوق المسلمين في أساليب العمليات لينقل المسلمين من موقع التوازن إلى موقع التفوق الاستراتيجي. فقد أعد المظفر قطوز لجيش المغول كمينا في التلال المحيطة بعين جالوت، وعمل على استدراج خصمه المغولي كتبغا إلى موضع الكمين، وعمل على تدمير جيشه و إبادته. فكانت هذه المعركة من المعارك الحاسمة التي لم يشهد تاريخ فن الحرب إلا نماذج قليلة لها (مثل معركة كاني بقيادة هاني بعل) حيث تم تدمير جيش بكامله في كمين محكم. ولقد حاول هولاكو بعد ذلك استعادة التوازن المفقود. کما حاول خليفته (الايلخان اباقا - أو أبا که) استعادة هذا التوازن عندمازج جيشأ من مائة ألف مقاتل. إلا أن هذا الجيش لم يتمكن من تجاوز حدود سوريا الوسطى (حمص). حيث تعرض الهجوم الجديد لما كان قد تعرض له جيش كتبغا في عين جالوت.
لقد برهنت هذه التجارب بمجموعها على أن قضية التوازن الاستراتيجي، في الحروب الصليبية القديمة لم تكن قضية جامدة، بل إنها تميزت بكل الخصائص الملازمة المضمون التوازن الاستراتيجي، وأهمها: المرونة، والتحول، والمرحلية. وتعني المرونة هنا التكيف مع الظروف الزمنية والمكانية لمسرح العمليات. ويعني التحول أنه باستطاعة أحد