وفرنسا وألمانيا وسائر دول الغرب بتجمع صليبي جديد في محاولة لإعادة التوازن المفقود، واستطاعت هذه الحملة الصليبية الضخمة تجميد الأوضاع. غير أنها لم تتمكن من سلب المسلمين مواقع تفوقهم، ولم تتمكن من رفع قدرة الفرنج إلى موقع التوازن الاستراتيجي، وعاد المسلمون إلى استثمار تفوقهم في أساليب العمليات وفي تفوقهم التعبوي - التكتيكي - لاستنزاف قوة الفرنج في معارك متتالية واشتباكات مستمرة.
وتابع الفرنج ارسال موجات الدعم المتتالية، والحملات المتتابعة، غير أن الاستنزاف المستمر. ماديا ومعنوية، اقتصادية وبشرية. لم يترك للفرنج فرصة بناء قوة جديدة تساعد على استعادة التوازن. وهكذا أخذت المدن والقلاع في العودة إلى أصحابها المسلمين، وأدرك ملوك الغرب، وامرائه، ومقاتليه، أن المشروع الصليبي هو مشروع خاسر، ولا يحقق الفائدة المرجوة، وأنه من المحال إمداده بالقدرة المستمرة، ولهذا فعندما جاءت الضربات النهائية، لم ينهض أحد من ملوك الغرب لانقاذ ما كان قد بقي للفرنج من وجود على أرض بلاد الشام. وأمحت من على الأرض وزالت حتى بقايا قوات الفرنج.
لقد حاول الفرنج، عندما فقدوا توازنه الاستراتيجي، استعادة + التوازن باستخدام سياسة استراتيجية مزدوجة، أولها تجزئة جبهة العالم الإسلامي وتفتيتها من الداخل، سواء بالهجوم عليها مباشرة - وذلك بتوجيه الحملات إلى مصر لعزلها عن بلاد الشام - وهي الحملات التي تم تدميرها مرة في دمياط والثانية في المنصورة. أو بواسطة استخدام بعض مراكز القوى الداخلية (مثل تحالف لويس التاسع مع الباطنية - الاسماعيلية). أو بواسطة استثمار التناقضات بين أمراء المسلمين وحكامهم. غير أن هذه السياسة فشلت أمام صمود المسلمين. أما ثانيها. فهو قذف قوات من خارج ساحة المعركة. وإذا كان وقود الصليبية قد عجز عن امداد آلة الحرب متطلباتها، فقد تكون قوة المغول التتار قادرة على تأمين الوقود اللازم لاضعاف الإسلام والمسلمين. وهنا كان دور المسلمين في مواجهة التتار، مماثلا لدورهم في مواجهة الفرنج، فقد انطلق المغول التتار بجحافلهم الضخمة من جوف آسيا. وأمكن لهم اجتياح سيبيريا واوروبا الشرقية بسرعة مذهلة ومقاومة لا تكاد تذکر. ولكن هذه