تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والاسبتارية. قبل معركة حطين مباشرة. وقد أدرك الزنكيون ومن بعدهم الأيوبيون أن ما يمكن تسميته - بالتوازن الاستراتيجي في المصطلحات الحديثة ما هو إلا مرحلة مرنة و متحولة للوصول إلى التفوق وأن التفوق والمحافظة عليه هو الهدف، ولهذا فعندما أدرك صلاح الدين أنه أحرز هذا التفوق، صمم على زج القوى في حطين. وقاوم رغبات أمرائه الذين أرادوا الاستمرار في حرب الاستنزاف، وتجنب زج كل قوي المسلمين ضد كل قوى الفرنج. وقد أكد ذلك الحوار والنقاش الذي دار في المؤتمر السابق اليوم حطين، أن أمراء المسلمين قد عرفوا أهمية حرب الاستنزاف للابقاء على التوازن الاستراتيجي، فقد كانت حرب الاستنزاف هذه، واشتباكاتها الظافرة، تزيد في كل يوم من قدرة المسلمين، وتضعف يوما بعد يوم من قدرة الفرنج. ولهذا فقد اعتقد الأمراء الذين أبدوا فكرة الاستمرار في حرب الاستنزاف أنه بالمستطاع تدمير قوات الفرنج دونما حاجة للبحث عن الحسم في الصراع المسلح. أما صلاح الدين فقد عرف أن التوازن ما هو إلا مرحلة للوصول إلى التفوق. وأن تأكيد الوصول إلى هذا التفوق لا يتحقق إلا من خلال المعركة الحاسمة. ومقابل ذلك، فقد عرف الفرنج أنه لا قبل لهم بمتابعة حرب الاستنزاف، إذ كانوا يخسرون كل يوم من القوى ما لا يستطيعون تعويضه، وقد أكدت مناقشات الفرنج التي سبقت حطين أن قادتهم كانوا يبحثون عن المعركة الحاسمة، لا حبا في المعركة أو رغبة فيها، وإنما تعلقة بأمل أن يؤدي الحسم إلى إيقاف الاستنزاف. وكان ذلك يعني ببساطة أن الفرنج كانوا يجهلون حقيقة الموقف على جبهتي الصراع، فيما كان أمراء المسلمين وقادتهم يعرفون عن قناعة، ويدر کون عن وعي، متحولات الصراع في كل مرحلة من المراحل.

خلف المسلمون وراءهم، على ذري حطين، مسألة التوازن الاستراتيجي، فقد تم لهم تدمير الكتلة الرئيسة لجيوش الفرنج، ولم يبق في مدنهم وحصونهم وقلاعهم إلا الحاميات الدفاعية المحرومة من القدرة الحركية. وبات باستطاعة الجيوش الإسلامية تحقيق التفوق في كل موقع، فانطلقت جيوشهم تجوب بلاد الشام من أقصاها إلى أقصاها وهي تجتاح كل ما تستطيع اجتياحه. وذهل الغرب لهذا التحول، رغم أنه كان متوقعة، إذ كانت نذره وبواكيره قد أنبأت منذ عهد بعيد بحدوثه. فقذفت انكلترا

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٥٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٥٧٩