تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومقابل ذلك، فقد كان لدى الفرنج تصميم مماثل على تطوير هجومهم والاحتفاظ بما يمكن لهم الاستيلاء عليه من بلاد المسلمين، وقد عبر هذا التصميم عن ذاته بشواهد كثيرة أيضأ منها:

1 - الابقاء على تسمية مملكة القدس، وتناقل التاج الملكي وذلك بعد أن طرد المسلمون الفرنج من القدس وازالوا وجودهم.

2 - اغتنام كل فرصة ممكنة لتجريد حملات جديدة من أجل استعادة ما يفقده الفرنج في حروبهم مع المسلمين. وهكذا جاءت حملة صليبية بعد ضياع امارة الرها من الفرنج. وجاءت حملة ثانية بعد طرد الفرنج من القدس. وجاءت حملة بعد القضاء على وجود الفرنج في انطاكية.

وهكذا، ومع توافر التصميم لدى الأطراف المتصارعة لبلوغ غايات متضادة، كان من طبيعة الأمور أن يصمد الطرفان المتصارعان - المسلمون والفرنج - في مواقعها، لا تضعف من جندهما إرادة، ولا تتزعزع من قيادتها ثقة بحتمية بلوغ الهدف النهائي. فكانت الانتصارات والهزائم عبر مسيرة الصراع الشاقة والطويلة، مجرد نقاط علام أو مؤشرات المرحلة من مراحل الصراع لا أكثر ولا أقل. أما النتيجة النهائية، فتقررها الإرادة الأكثر تصمم، والأصدق امانا، والأشد عزمة، فكان لا بد بالتالي من استمرار الصراع المسلح، وتصعيده، كلما توافرت الظروف والإمكانات للطرفين المتصارعين.

لقد استمرت الحرب على أرض بلاد الشام زهاء مئتي من الستون، لم تخمد جذوة الحرب فيها، ولا انطفأت نار القتال. فكان كل عمل قتالي يصطدم بعمل قتالي مضاد، و كان كل تحد يفرضه أحد الأطراف يصطدم باستجابة الطرف المقابل على هذا التحدي. ولم يعد أي من الأطراف المتصارعة يجهل قدرة الطرف المقابل، أو ينخدع بأعاله، أو يستسلم لنواياه، وأدى ذلك بالضرورة إلى تعقيدات شديدة سواء في ادارة الحرب، أو في ممارسة الأعمال القتالية (على مستوى العمليات) أو في خوض المعركة

على المستوى التعبوي أو التكتيكي). وبات الاختبار الحقيقي للصمود في حوار

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٥٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٥٧١