ملك القدس - بلدوين .. غير أن محاولة - المجاملة، أو التقية. لم تضمن لقيسارية الأمن أو السلام، فالحملات الصليبية القديمة. شأنها شأن كل حركة استعمارية استيطانية. (بحسب المصطلحات الحديثة) كانت تريد الحصول على أرض فارغة من السكان حتى تقيم عليها مدنها ومستوطناتها ومجتمعها، ثم تعمل بعد ذلك على الافادة ممن تحتاجهم من اليد العاملة من أهل البلاد.
وهكذا كان مصير قيسارية التي وصلتها جحافل الفرنج الصليبيين بقيادة ملك القدس - بلدوين - وألقت عليها الحصار (يوم 2 - أيار - مايو - سنة 1101 م). ورفضت حامية قيسارية الاستسلام، وقاومت قدر استطاعتها مستفيدة من منعة تحصيناتها وأسوارها، إلى أن تمكن الفرنج من اقتحام قيسارية عنوة يوم 17 - أيار. مايو -. وجرى الاذن للجند المنتصرة بأن تنهب المدينة كيفما شاءت، وصحب النهب من الأهوال ما ارتاع له قادة الجند أنفسهم، ووقعت أعنف مذبحة بالمسجد الجامع - الذي زعم الفرنج أنه كان قديمة يحمل اسم معبد هيرود أجريبا - وقد لجأ إليه عدد
كبير من سكان المدينة، والتمسوا الرحمة، غير أنهم لقوا مصرعهم رجالا ونساء على السواء، حتى صار صحن الجامع بحيرة من الدماء. ولم ينج من الذبح من سكان المدينة إلا عدد قليل من الفتيات والأطفال، وقاضي القضاة، وقائد الحامية، اللذين أبقى بلدوين على حياتها ليحصل على فدية كبيرة. وكانت القسوة والشدة عن قصد واصرار وأراد بلدوين بذلك أنه لا يرحم من لا يسالمه (1).
اقتسم الفرنج الصليبيون الغنيمة فيما بينهم، شأنهم في ذلك هنا كشأنهم في كل مكان انتزعوه من المسلمين. فحصلت كل قوة من القوى التي شاركت في الحملة على نصيبها من قيسارية، حيث استوطنت في حي خاص بها - تجمعا أو كومونة .. وتم تنصيب بطريرك لقيسارية يتبع لملك الفرنج - ملك القدس .. و كان على هذا البطريرك أن يحتفظ بقوة جاهزة للقتال. بصورة مستمرة، لاستخدامها من أجل الدفاع عن قيسارية، أو لارسالها إلى حيث تدعو الحاجة وهكذا اشتركت قوة قيسارية في عدد من المعارك
(1) الكامل في التاريخ - أحداث سنة 494 وتاريخ الحروب الصليبية: / 2121