يسمح لها بتحدي سلطة الملك خلال تلك المرحلة الأولى - ومقابل ذلك، فقد قدمت الطائفة لمملكة القدس ما كانت تحتاج إليه، وهو جيش منتظم بضم إليه العساکر المدربين والذين أضحى وجودهم الدائم حاجة ملحة، ذلك أنه في الاقطاعات التي حازها الأمراء - الكونتات. كانت تحدث اضطرابات عند انتقال الارث إلى سيدة أو طفل إذا ما مات السيد الاقطاعي بصورة مباغتة. فكان الفرسان الرهبان هم القوة التي تضمن الاستقرار، نظرا لما اشتهر به هؤلاء من نظام قوي، ولما عرف عنهم في الغرب من المكانة ومن الهيبة، مما كان يضمن لملك القدس باستمرار مددة منتظمة من المحاربين الأوفياء الذين لا يصرفهم عن واجبهم طموح شخصي أو ربح ذاتي (1).
وهكذا حصل فرسان الداوية على إقطاع منطقة عتليت، وأقاموا قلعتهم هناك، وهي القلعة التي تميزت على ما عداها في فن العمارة. ذلك أن معظم قلاع بلاد الشام - في الشمال والجنوب - كانت قائمة منذ أيام الروم - البيزنطيين - أو كانت مما شيده العرب المسلمون، ثم جاء الفرنج فعملوا على تحويلها أو اصلاحها بما يناسب احتياجاتهم، في حين شيدت قلعة عتليت تلبية المتطلبات فرسان الداوية. فتم تشييد البرج المتوسط الذي اعتبر أقوى وأمنع جانب في القلعة، عند أضعف قطاع بدائر القلعة. وأضحى البرج مدورة لا مستطيلا، نظرا لأن السطح المدور كان بالغ الصلابة في مقاومة ما يتعرض له من قذف. وتزايد عدد ما جهزت به القلعة من الأبواب والأبواب الخلفية. ونزع حجم القلعة إلى الضخامة. ولم يكن للنساء مأوى في قلاع الفرسان الداوية. وفي قلاع طوائف الفرسان الداوية بصورة عامة. وقد خصصت الكبار الموظفين والقادة حجرات أنيقة، رغم أنه لم ينزل ضيفا بها إلا لغرض حربي. واعتبرت قلعة عتليت عبارة عن مدينة عسكرية، تستطيع أن تؤوي إليها عدة آلاف من المقاتلين والخدم اللازمين لهذا الجمع. غير أنه قال أن امتلأت هذه القلعة عن آخرها (2).
ولعل أغرب ما في قصة (قلعة عتليت) هو أن تشيدها قد جاء في وقت متأخر
(1) تاريخ الحروب الصليبية: 2/ 247. 251
(2) تاريخ الحروب الصليبية: 3/ 130 - 131.