تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من الحصار، وبعد أن فقد الأمل بالحصول على دعم من مصر - بقبول التسليم بشرط السماح لمن يرغب من السكان بمغادرة المدينة امنة ومعه أمتعته، أما من رغب في البقاء فيصبح من رعايا ملك الفرنج. وقبل بلدوين هذه الشروط. ووافق أن يحتفظ المسلمون بمسجدهم، ولكن ما إن ملك الفرنج البلد حتى انقضوا على من كان يريد الهجرة وذبحوا عددا كبيرا منهم، وسلبوهم كل ما معهم. وفعلوا بهم الأفعال الشنيعة. وسار الوالي زهر الدولة الجيوشي إلى مصر. واعتذر إلى الأفضل، فقبل عذره (1)، وهبط على عكا ليل الاستعمار الصليبي الطويل. غير أن هذا الليل لم يكن هادئة، بل انتابته العواصف الهوجاء، وهيمنت عليه الأحداث المثيرة. فقد أصبحت عکا مرکز انطلاق قوات الفرنج للهجوم على الاقاليم الاسلامية المجاورة، ومقابل ذلك، دأب امراء دمشق وحكام مصر على ارسال قواتهم للهجوم على الفرنج کلا توافرت الفرصة للاغارة على عكا وأرباضها. وكان من أكثر الأحداث اثارة مما شهدته تلك البداية قصة زواج ملك القدس - بلدوين - من كونتيسة صقلية. أديلايد سالونا - التي كانت بالغة الثراء، مما أطمع فيها ملك القدس الذي لم يكن يرغب في بائنتها فحسب، بل إنه كان يطمع أيضا في الافادة من دعم النورمان في صقلية، وبما يتوافر لهم من قدرة بحرية. وعندما تم الاتفاق على الزواج. أبحرت الكونتيسة من صقلية سنة 507 ه = 1113 م في أبهة وروعة لم يشهدها البحر الأبيض المتوسط منذ أن أقلعت كليوباترا إلى نهر البردان لتلتقي بانطونيوس - إذ افترشت في سفينتها بساطة منسوجة من خيوط الذهب، بينما ترصعت مقدمة السفينة بصفائح الفضة والذهب. ورافقتها اثنتان من الشوافي الحربية. وعزز كل منها ثلاثة صفوف من المجاذيف لدفعها. وزينت أيضا مقدمتاهما. وحملنا حرسها العسكري. وكان أكثر ما لفت النظر هو حرس ابنها الخاص من العرب المسلمين، بوجوههم السمراء، وأرديتهم الناصعة البياض. وسار في أثرها سبع سفن أخرى حملت كل ما ملكت من الكنوز والثروة. وهبطت الكونتيسة في عكا، فاستقبلها الملك بالدوين بكل ما عرضته مملكته من الأبهة، إذ خرج الملك ورجاله في

(1) الكامل في التاريخ - أحداث سنة 497، وتاريخ الحروب الصليبية: 1413 - 144.

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٤٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٤٦٨