الفلسطين. وقد بقي كذلك طويلا، لأن ميناء يافا لم يكن عميقة إلى درجة كافية لرسو السفن الضخمة، كما كان ميناء حيفا أكثر عمقا. وكانت حافة جبل الكرمل تحميه من الرياح الجنوبية الغربية، إلا أنه كان معرضا لأعاصير الرياح الشمالية. وبقي ميناء عکا هو الوحيد المحمي من الرياح الهوجاء، وله العمق الكافي لرسو السفن الضخمة. ولهذا حرص الفرنج الصليبيون على امتلاك عكا والسيطرة على مينائها منذ وصولهم إلى فلسطين. لتأمين أغراضهم التجارية ومتطلباتهم العسكرية. ورغم أن عكا بقيت هي المرفأ الرئيسي للفرنج طوال أيام الحروب الصليبية القديمة، فانها لم تحتفظ إلا بالقليل من آثارهم. ولعل كل ما بقي من آثار تذکر بذلك الاحتلال الذي استطال لمدة قرنين - تقريبا - من عمر الزمن، لا يتجاوز بعض العقود لكنيسة من الكنس، أو بقية قصر، أو برج واحد من مجموعة الأبراج التي شكلت جزءا من الدفاعات عن المدينة. ولقد كانت عكا هي أول مدن الساحل التي استعمرها الفرنج، ثم كانت آخر مدينة من المدن التي أعاد المسلمون فتحها. فتلخص بها تاريخ الفرنج الصليبيين الذي بدأ على أرض الشام سنة 493 ه = 1099 م. حيث هاجم الفرنج عكا، غير أنهم فشلوا في اخضاع المدينة. فلما كان ربيع سنة 496 ه = 1102 م. قام ملك القدس بلدوين بفرض الحصار على عكا، وساعده في ذلك ما كان تحت تصرفه من السفن الانكليزية. و كادت الحامية تستسلم لولا أن أقلع من صور وصيدا اسطول من اثنتي عشرة سفينة ضخمة تابعة للاسطول المصري - الفاطمي .. وأسرع هذا الاسطول لنجدة حامية عكا ومعه القوات وآلات قذف النار الاغريقية - الحراقات والعرادات - مما أرغم الفرنج على الانسحاب.
ولكن حدث في السنة التالية (497 ه = 1103 م) أن وصل إلى ميناء حيفا أسطول جنوي ضخم مؤلف من سبعين سفينة، فأسرع ملك القدس بالدوين للاجتماع بقادة الأسطول في حيفا، وظفر بمحالفتهم لاخضاع عكا بعد أن بذل لهم الأجر المألوف. وهو ثلث الغنيمة وامتيازات تجارية وحي في السوق. وبدأ الحلفاء حصار عكا يوم 6 - أيار - مايو .. واشتدت مقاومة المسلمين بقيادة المملوك زهر الدولة الجيوشي - نسبة إلى الملك الجيوش الأفضل الفاطمي - ولكنه اضطر بعد عشرين يوما