معهم مقدمهم الذي أسره صلاح الدين يوم حطين. ثم أطلقه ملك القدس، فهو الذي
حفظ هذا الحصن. فخرب صلاح الدين ولاية أنطرطوس. ورحل عنها،، وما إن ابتعد صلاح الدين وجيشه حتى أسرع الداوية لترميم حصونهم وإصلاح قلاعهم، وعاودوا أعالهم العدوانية. وفرضوا هيمنتهم على الريف المحيط بهم. کا فرضوا على طائفة الاسماعيلية - الباطنية أو الحشاشين - إتاوة ضخمة يؤدونها لهم سنويا. وضاق الاسماعيلية ذرعة بهذه الاتاوة، فدفعوا أحد رجالهم لاغتيال الكونت ريموند - أكبر أبناء أمير انطاكية بوهمند وذلك سنة 110 ه = 1213 م. فلقي ريموند مصرعه في كاتدرائية طرطوس.
ولما كان الفرنج في أنطاكية وطرابلس قد أدركوا أن بقاءهم في بلاد الشام يرتبط بقدرتهم على التعايش مع المسلمين، فقد أخذوا في إقامة علاقات معهم بموجب هدنة يعقدونها لمدة طويلة (عشر سنوات). إلا أن المتطرفين من الفرنج، وفي طليعتهم طائفة فرسان الداوية، كانوا يثيرون المتاعب في وجه حكامهم ويدفعونهم للابقاء على جذوة العداء متقدة ضد المسلمين - على نحو ما حدث مثلا سنة 928 ه = 1230 م عندما انطلق فرسان الداوية من طرطوس، ومعهم طائفة فرسان الاسبتارية، فأغاروا على
حماه، إلا أن المسلمين نصبوا كمينا للفرنج، وألحقوا بهم هزيمة ساحقة. ثم قام بوهمند الرابع أمير أنطاكية بهجمات على الداوية بطرطوس - ما بين حين وآخر - لكبح جماح تطرفهم، وحملهم على الالتزام بشروط الهدنة مع المسلمين، فتجددت الهدنة حتى سنة 135 ه = 1237 م. حيث قام الداوية مجددة بانتهاك شروط الهدنة عندما انقضوا على قبائل التركمان التي كانت ترتع آمنة إلى الشرق من بحيرة أنطاكية، مما دفع جيش
حلب لمهاجمتهم، فتدخل أمير أنطاكية مرة أخرى وتجددت الهدنة. وأدرك الداوية أخيرة أنه لا قبل لهم بالتصدي لغضب المسلمين، ومجابهة هجاتهم، فاستكانوا. وعندما قام السلطان الظاهر بيبرس بشن هجماته الواسعة لطرد بقايا الفرنج من بلاد الشام، وأعاد فتح صيدا، ووصل في تقدمه إلى شمال طرابلس (سنة 117 ه = 1298 م) أسرع الداوية في طرطوس، فأعلنوا خضوعهم، والتمسوا من السلطان أن يبقى لهم بلادهم وتوسلوا إليه، فتركهم إلى حين، ومضى عنهم الى أنطاكية حيث أعاد فتحها.