قتل فيليب مونتفيرات ضربة خطيرة للفرنج الصليبيين في بلاد الشام (1).
تابع المسلمون جهدهم وجهادهم، وأيدهم الله بنصره، فطردوا الفرنج من المدن والقلاع التي ظنوا أنها مانعتهم، حتى إذا لم تبق إلا عكا وصور وبعض القلاع في أيديهم، ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، غير أنهم لم يفقدوا الأمل بحملة صليبية جديدة تعيد لهم ما فقدوه من الأرض التي أقاموا عليها لبعض الوقت، ولهذا احتفظ القسس والأمراء بألقابهم السابقة التي حملوها قبل إعادة الفتح (مثل كونت طرابلس، وأسقف عكا الخ). وجرى في سنة 1286 م أيضا تتويج ملك قبرص (هنري الثاني) في مدينة صور، وأحيط حفل التتويج بجميع مظاهر الترف والعظمة. ولا ريب أن السلطان قلاوون قد ابتسم وهو في القاهرة عندما علم بأفراح الفرنج التافهة، فقد كان قلاوون على ثقة تامة بأن بقاء الفرنج في بلاد الشام لم يعد أكثر من قضية وقت. وأن الفرنج يخدعون أنفسهم عندما يتوهمون بامكان بقائهم في بلاد الشام إن هم احتفظوا بمدينة صور أو ببعض القواعد الأخرى. وهذا ما أكدته مسيرة الأعمال القتالية بعد ذلك. ولكن توفي السلطان قلاوون قبل إكمال إعادة فتح بقية المدن الساحلية. فقد جاء ابنه - الأشرف خليل - فعمل على إكمال هذا الواجب. فطرد بقايا الفرنج من عکا بعد حصار طويل ومعارك ضارية (سنة 587 ه = 1291 م). ولم تنتظر قوات صور وحاكمها حدوث الزلزال، أو هبوب العاصفة، فقد ركبوا البحر سراعا وانتقلوا إلى قبرص بمجرد سماعهم بتحرك جيش المسلمين الضخم نحوهم، وتخلوا عن صور دون قتال. وابتلعت رمال صور ما ترکه الفرنج من حطام. وعادت صور مزهوة إلى سابق عهدها، ثغرة من ثغور العرب المسلمين.
(1) المطالعة المزيد عن التفاصيل هذا الحادث المثير - يمكن الرجوع إلى الكامل في التاريخ - أحداث سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. وتاريخ الحروب الصليبية: 129
/ 3 - 128 و 570.