عليهم، وهلكوا في المغاير. وعندما أراد الروم الرحيل عن حلب، خرج إليهم أحداث حلب، فقاتلوهم قتالا شديدة، فقتل من الروم وجرح خلق كثير، وقتل بطريق جليل القدر عندهم، وعادوا خاسرين، فلم يروا فيها طمعا. فرحلوا إلى قلعة الأثارب، فخاف من فيها من المسلمين فهربوا عنها وملكها الروم، وتركوا فيها سبايا بزاغة وأسراهم ومعهم جمع من الروم يحفظونهم ويحمون القلعة وساروا عنها. فلما علم أمير حلب (الأمير أسوار) بذلك، قاد جنده إلى الأثارب. وأوقع بمن فيها من الروم فقتلهم وخلص الأسرى والسبي وعاد بهم إلى حلب.
وأما عاد الدين زنكي، فكان قد غادر حمص، وسار الى سلمية فنازلها، وعبر ثقله الفرات إلى الرقة. وأقام جريدة - قوة خفيفة من الفرسان - ليتبع الروم ويقطع عنهم الميرة - التموين .. ولكن الروم تجاهلوا عماد الدين زنكي وقوته وتابعوا تقدمهم وهدفهم الاستيلاء على قلعة سيزر التي لم تكن تابعة لزنكي، وانما كانت تابعة للأمير أبي العساکر سلطان بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني (1). فنازلوها وحصروها ونصبوا عليها ثمانية عشر منجنيقة. فأرسل صاحبها - حاكمها - الى زنكي يستنجده، فسار إليه، ونزل على نهر العاصي بالقرب منها، بينها وبين حماه، و كان زنکي پر کب كل يوم ويسير إلى شيزر هو وعساکره، ويقفون بحيث يراهم الروم، ويرسل السرايا فتأخذ من ظفرت به من الروم. أرسل عماد الدين زنكي بعد ذلك إلى ملك الروم من قال له:
إنكم قد تحصنت مني بهذه الجبال، فانزلوا منها إلى الصحراء، حتى نلتقي
(1) كانت شيزر لبني منقذ الكنائيين يتوارثون ذلك من أعوام عشرين وأربعمائة (1011 م) حتى انتهى
الملك إلى المرهف نصر بن علي ابن نصر بن منقذ بعد أبيه أبي الحسن علي. فلما حضره الموت سنة تسعين وأربعمائة، عهد لأخيه أبي سلمة بن مرشد. وكان عالما بالقراءات والأدب. وولي مرشد أخاه الأصغر سلطان بن علي، ونشأ لمرشد بنون كثيرون و كبروا وسادوا - منهم عز الدولة أبو الحسن علي، و مؤيد الدولة أسامة وولده علي. وقصد بعضهم نور الدين زنكي. ثم وقعت الزلازل وضرب حصن شيزر و تهدم (تاريخ ابن خلدون: 041/ 5 - 544) و (الكامل في التاريخ - أحداث سنة 552 ه).