الحروب الصليبية القديمة بدمج عوامل الصراع السياسي والعسكري، مع ما يتفرع عن هذا الصراع من عوامل اجتماعية واقتصادية وحتى شخصية، وقد أظهر العرض السابق أن دمشق قد خاضت صراعها وهي مدركة تماما لمتطلبات الصراع في كل مرحلة من مراحله، فبقيت دمشق هي القاعدة الصلبة والمأمونة التي استند إليها كبار قادة المسلمين في حروبهم ضد الفرنج الصليبيين، وفي طليعتهم نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس، وهم الذين استأثرت دمشق بحفظ رفاتهم فضمنها إلى ما امتلكته أرضها من رفات السلف الصالح.
لقد أبرزت الحملات الصليبية ضد دمشق، وارتدادها خائبة عنها، ما توافر لأمل دمشق الأجداد من الفضائل الحربية. وما تراكم فيها من خبرات قتالية عبر جهادها المستمر منذ الأيام الأولى للفتح العربي - الإسلامي. فلم يكن صراع دمشق مجرد صراع مسلح فحسب، وإنما كان صراع دينية عقائدية - أو سياسية بحسب المصطلحات الحديثة. وكان هذا الصراع قد تطلب قبل كل شيء توافر درجة عالية من الايمان مع توافر كفاءة عالية في ادارة الصراع السياسي - العسكري على جبهتي الأصدقاء والأعداء على السواء. وبرهنت دمشق هنا أيضا أن ما امتلكته من الخيرات المتراكمة في المجالات الإدارية والسياسية لم تكن أقل من رصيدها في الفضائل والخبرات الحربية. وهذا ما ضمن لها النجاح في ممارسة دورها.
لقد تتابعت على حكم دمشق خلال فترة الحروب الصليبية القدية أنظمة مختلفة، مثل السلاجقة والبوريين فالزنكيين فالأيوبيين فالماليك، غير أن النهج السياسي العسكري لدمشق بقي ثابتة ولم يتبدل أو يتغير. وهذا يعني ببساطة أن دمشق كانت مي التي فرضت فكرها السياسي - العسكري على حكامها المتابعين. ولم تكن دمشق تهم كثيرة بشخص حاكمها إلا بقدر ما كان يبرهن عليه هذا الحاكم من إخلاص في الجهد والجهاد. وإلا بقدر ما يتوافر له من الكفاءة في إدارة الحرب ضد الفرنج الصليبيين. ولم يكن من الغريب بعد ذلك أن تستأثر دمشق المجاهدة بحقد الفرنج، فبقيت تحتل المرتبة العليا في تفكير ملوك الفرنج وفي أعمالهم ضدها. وكان لدمشق من إيمانها درعة