تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخفيفي الحركة يعملون طوال اليوم - وخلال الأيام التالية أيضا - على ممارسة ضغط قوي ضد جناحي الجيش الصليبي، ويمطرونه بوابل من السهام، فتناثرت جثث الرجال وخيولهم على امتداد طريق الانسحاب الى فلسطين، وأفسدت رائحتها السهل لشهور عديدة تالية. وكان كل ما حققته هذه الحملة هو أنها أضاعت حياة عدد كبير من رجالها، وقدرة كبيرة من عتادها، وتعرضت لهوان شديد. والواقع، فان ما حدث من إرغام جيش في هذه الضخامة والروعة، على التخلي عن هدفه، ولما يمض على القتال سوى أربعة أيام، يعتبر ضربة قاصمة لكرامة الفرنج الصليبيين. فقد تبددت بذلك اسطورة فرسان الغرب الذين لا يقهرون، وهي الاسطورة التي نمت وترعرعت أثناء مغامرة الحملة الصليبية الأولى، بينما انتعشت آمال العالم الإسلامي (1).

يمكن بعد ذلك تجاوز الدور الذي قامت به دمشق وجيشها في تقويم موقف مصر، وفي الدفاع عنها (بقيادة أسد الدين شير کوه وابن أخيه صلاح الدين الأيوبي (سنة 564 ه) ثم ما تبع ذلك من توحيد جهد العالم الإسلامي تحت قيادة واحدة، وذلك بالقضاء على الحكم الفاطمي في مصر. كما يمكن تجاوز دور جيش دمشق في معركة حطين الخالدة (سنة 583 ه = 1187 م). وكذلك تحرك جيش دمشق وانتقاله إلى مصر من أجل رفع الحصار عن دمياط يوم هاجمها الفرنج (19) - 918 ه = 1219 - 1221 م). فقد كان ذلك كله في إطار سياسة استراتيجية هجومية شاملة للانتقام من الفرنج الصليبيين الذين دنسوا تراب بلاد الشام بجرائمهم وآثامهم. فكان جيش دمشق وفقا لهذه السياسة الاستراتيجية وهو في حالة حركة دائمة، للضغط على الفرنج باستمرار في أي موقع تطلب ممارسة مثل هذا الضغط. ولهذا لم يكن غريبا أن تتصدي دمشق وحاكمها الناصر الأيوبي لعملية التوقيع على المعاهدة التي وقعها حاکم مصر الملك الكامل الأيوبي مع الامبراطور الألماني فريدريك الثاني (سنة 136 ه = 1228 م) حيث استعظم المسلمون في دمشق ما تضمنته هذه المعاهدة من إعادة القدس للفرنج الصليبيين. وأكبروا أمرها، ووجدوا فيها من الوهن والتألم ما لا يمكن وصفه،

(1) الكامل في التاريخ - أحداث سنة 543 ه. وتاريخ الحروب الصليبية: 151/ 2 - 458.

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٣٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٣٦٢