ولكن دمشق لم تضعف، ولم تهن. إذ ما لبثت أن وجدت لها دعا بتحالفها مع الزنكيين، وتسليم راية الجهاد لهم، وذلك بعد مرحلة من الاضطراب والصراع الداخلى.
تولى حكم دمشق سنة 529 ه = 1131 م - الأمير معين الدين أنز، وذلك بعد اغتيال تاج الملوك بوري ابن طغتكين، فأحسن السيرة، وتابع رفع راية الجهاد، وحدث سنة 543 ه = 1147 م، أن أعلن حاکم بصري وصلخد في حوران - واسمه التونتاش وهو أرمني الأصل - أعلن تمرده على معين الدين أنز، وطلب الدعم من ملكة القدس - ميليسيند - التي كانت تمارس دور الوصاية على ابنها البالغ من العمر بومها سبعة عشر عاما واسمه بلدوين ..
ووجد الفرنج أن الفرصة سانحة لهم للاستيلاء على حوران و تهديد دمشق، فحشدوا قواتهم، وبدؤوا زحفهم. وجرت اتصالات بين الملكة ميليسيند ومعين الدين أنز، أسفرت عن اقتناع الملكة بايقاف الحملة. غير أن رعاع جند الفرنج أعلنوا غضبتهم بسبب التخلي عن غارة مثمرة على بلاد المسلمين، وأصروا على المضي للقتال. فارتاع الملك بلدوين والبارونات، ولم يسعهم إلا النزول على إرادتهم. فسار جيش الفرنج وعبر نهر الأردن، وزحف على اقليم الجولان. وأسرع معين الدين أنز فجمع قواته من العرب والتر کان، وأخذ في ممارسة الضغط على قوات الفرنج أثناء معاناتهم لشق طريقهم عبر وادي اليرموك نحو درعا. وأرسل معين الدين أنز في الوقت ذاته وفدة إلى حلب لطلب الدعم من نور الدين زنكي، فاستجاب نور الدين وأسرع بالتحرك، فالتقى بجيش دمشق، وسار مع معين الدين فوصلا إلى بصري. ولم يعلم الفرنج بوصول قوات المسلمين إلى بصرى إلا في المساء، وقد أضناهم التعب والارهاق، ونفذت المياه، وأضحت بصرى على مرمى بصرهم. ولما لم تسمح لهم حالتهم بالمضي لقتال المسلمين، فانه لم يبق أمامهم إلا الارتداد والانسحاب. فلقوا أثناء عودتهم من المشاق والصعوبات أكثر بكثير مما لقوه أثناء تقدمهم، إذ نفذت الأطعمة - التموين - وانطمرت آبار عديدة، وألح المسلمون على مضايقة مؤخرة جيش الفرنج. وقتل المسلمون من صادفهم من الجند الذين ضلوا الطريق. وأظهر ملك الفرنج - بلدوين - بطولة فائقة بالنسبة إلى صغر عمره، إذ أنه رفض الاقتراح بأن يتخلى عن كتلة جيشه، وأن يلتمس طريق