الإسلام راعون، وبأصالة العرب متمسكون، يوالون من صدق إسلامه، وينفرون من انحرف عن عقيدته، وأصبحت دمشق مع الأيام نموذجا لصفاء المعتقد والإخلاص له، ومثلا للوفاء بالقول والعمل. حتى إذا ما جاء الفرنج الصليبيون وطرقوا بابها بعد استيلائهم على القدس (سنة 492 ه = 1098 م) ثار غضب دمشق، وانتصبت أسوارها شاهقة لا ترام، ومنيعة لا تضعف ولا يتطرق إليها الوهن.
فلقد تطلع الفرنج الصليبيون نحو دمشق بمجرد استقرارهم في القدس. وعرفت دمشق ذلك، وأدرك أهلها بما توافر لهم من الخبرات القتالية المتراكمة أنه من المحال البقاء في موقع الدفاع عن دمشق وحدها، وأنه من المحال أيضا تنظيم الدفاع إلا في إطار هجومي يتطلب من القوى والامكانات أكبر مما تمتلكه دمشق وحدها. وهكذا انطلقت دمشق، وانطلق أهل دمشق، لمجابهة الغزاة الفرنج في كل موقع تستطيع الوصول اليه قواتها. ومضت دمشق، ومضى أهل دمشق، لاستنفار القوى وحشد الامكانات. وجرت سنة 499 ه = 1098 م أول وقعة كبيرة بين جيش دمشق وبين جيش الفرنج او كان سبب ذلك هو تكرر الحروب والغارات بين عسكر دمشق وعسکر بغدوين (1) فتارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء. وعمل بغدوين في نهاية الأمر على تشيد حصن بينه وبين دمشق نحو يومين. فخاف أمير دمشق - طغتكين عاقبة ذلك، وما يحصل من الضرر، فجمع عسكره وخرج لمقاتلتهم. فسار ملك القدس بغدوين وعکا وغيرها لدعم حاكم الجليل - تانکرد - (2) وليعاضده ويساعده على المسلمين. فأعلمه تانکرد أنه قادر على مقارعة المسلمين وحده إن هم قاتلوه. فعاد بغدوين إلى عكا.
(1) بغدوين كا تذكره المصادر العربية هو - بلدوين - شقيق ملك القدس - جود فري كونت اللورين
GEOFFROY الذي كان أحد كبار قادة الحملة الصليبية الأولى. ولد سنة 1010 م واشترك في قبادة الحملة ومعه أخويه يوستاس وبلدوين. وعندما تم الاستيلاء على القدس أصبح جودفري ملكة عليها.
لكنه ما لبث أن مات سنة 1100 م. فتولى أخوه بلدوين الملك على مملكة القدس.
(2) تانکرد: (TANCREDE) أمير صقلي، من عائلة هوتغيل النورماندية، وهو أحد قادة الحملة الصليبية
الأولى. اشترك في الاستيلاء على القدس، ثم أصبح أميرة للجليل، ثم أميرة على أنطاكية. ومات سنة 1112 م.