تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العالية، وإلا مسطحة لتأكيد قدرتها الهجومية. ولم تكن هذه الفضائل الحربية حكرا. أو ميزة - انفردت بها قوات بعلبك ودمشق دون سواها من جيوش المدن والأقاليم الإسلامية، ولو أنها ظهرت بشكلها الأكثر وضوحا في تحركات جيشي بعلبك ودمشق وعملياتها القتالية. وفي الحقيقة، فان هذه الفضائل هي الإرث الذي خلفته قوات الفتح منذ انطلاقتها الأولى من جزيرة العرب وهي تحمل راية الإسلام، وجاء الخلف فحافظوا على ارث السلف، وعملوا على الإفادة منه وتطويره، مما أكد التزام المسلمين عبر الأزمنة المتتالية بالأسس والمبادى، التي برهنت باستمرار على نجاعتها وفاعليتها وصلاحيتها. ولقد وقفت بعلبك وقلعتها، وسط الأحداث المثيرة التي حملتها هجات الفرنج الصليبيين، وعاشت هذه الأحداث وهي ترقب ما يحدث حولها، وعملت على تقويم المواقف وتصحيح مساراتها. ولقد دانت بعلبك وأهلها للإسلام، وارتضته دينا فحرصت على حمايته من كل انحراف ومن كل سوء. فكانت رؤيتها ورؤية أملها للأمور واضحة جلية: لقد جاء الفرنج الصليبيون بأحفادهم وأسلحتهم وأعتدتهم وهم يبغون تدمير الإسلام وأهله في إطار حرب هجومية شاملة، فكان لا بد من الرد على هذا المستوى ذاته. ولقد انطلقت شرارة التحول من بعلبك، فكانت هي السبيل لفتح دمشق أمام الزنكيين، وكانت هي المنطلق للأيوبيين من أجل إعادة فتح مصر وإنهاء عزلتها عن العالم الإسلامي - السني -. وكانت هي باستمرار النموذج الأفضل للحرب الدفاعية - الهجومية ضد الفرنج. لا في حدود بعلبك وحدها، وإنما في سهل البقاع الخصيب كله، وفي سائر بلاد الشام. وتتابعت دهور وعصور، وجاء الفرنسيون تحت راية الانتداب في القرن العشرين، فسرقوا بعض حجارتها، وسلبوا بعض آثارها ونقلوها إلى عاصمتهم - باريس - وحاولوا الوصول إلى أعماق الأرض في محاولة النبش مجد الروم البيزنطيين، والتذكير بأنه كان للصليبية في هذه الأرض مربعة ومرتعا، وتجاهلوا ما كانت تنطق به الحجارة التي حملوها معهم والتي كانت برهانا على أنه لا مكان على هذه الأرض إلا للإسلام وأهله.

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٣٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٣٣٦