تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بسرعون للقاء الفرنج وقتالهم بعيدا عن أسوار مدينتهم وتحصيناتها. فكانوا هم الذين يحمون الأسوار والتحصينات وليست هي التي تحميهم. وكانت بعلبك ترسل جيشها للقتال مع جيوش المسلمين الأخرى، سواء للدفاع عن دمشق، أو للقتال في فلسطين، أو للهجوم على مواقع الفرنج ومدنهم في الساحل (طرابلس). ولم يكن اهتمام أمراء بعلبك المتتابعين، بتحصين مدينتهم وترميم أسوارها كلما أصابها التلف أو الدمار بتأثير العوامل الطبيعية - الزلازل - إلا لدعم قاعدة المسلمين في البقاع، وإلا من قبيل التدابير الاحترازية، فالمسلمون هنا، كما كانوا في دمشق، و كما كانوا في بقية العواصم والمدن الإسلامية، يعتمدون على القلاع والتحصينات لمجابهة المواقف المباغتة والهجات الطارئة. وكانت أساليبهم الهجومية تفرض عليهم باستمرار عدم الاعتماد على وسائط

الدفاع إلا لفترات محدودة، ولمجابهة أوضاع استثنائية، وبقي الهجوم هو نهجهم الأساسي المجابهة الأعمال العدوانية للفرنج. و كانت الانتصارات التي يحرزونها في معظم الحالات تأتي لتعزز من نهجهم القتالي الهجومي. وهذا مما يبرهن بالتالي أن دور تحصينات بعلبك وأسوارها لم يكن إلا دورة ثانوية في تأمين الدفاع عن بعلبك وحمايتها. وبقيت سيوف المسلمين ودروعهم - في بعلبك ودمشق - هي الحصون الرئيسة وهي الأسوار المنيعة للدفاع عن عواصم الإسلام في أشد الظروف قسوة وأصعبها.

لقد مثلت بعلبك وقلعتها في هذا المضمار النموذج الأفضل والشكل الأوضح للحرب الدفاعية في المذهب العسكري الإسلامي، وهي الحرب التي لا تعتمد في أعمالها القتالية على المواقع والتحصينات إلا من أجل الانطلاق للهجوم. فإذا ما دعى الداعي للحرب والقتال، لم يتثاقل المجاهدون في سبيل الله، اعتمادا منهم على منعة مواقعهم وقوة تحصيناتهم، وإنما نفروا خفافا، وطاروا سراعا للقاء العدو بحثا عن إحدى الحسنيين، وقد أظهر ذلك بوضوح وجلاء الفضائل الحربية للمجاهدين المسلمين وأبرزها الاستعداد الدائم للقتال، والمرونة وخفة الحركة. فالمسافة بين دمشق وبعلبك، أو بين بعلبك وطرابلس، ليست مسافة قصيرة بالمقارنة مع وسائل القدرة الحركية التي كانت تستخدمها القوات - الخيول .. ولكن قوات المجاهدين التي عاشت على صهوات خيولها لم تكن تجد في المسافات الجغرافية إلا بساطة لابراز قدرتها الحركية

فن الحرب - الحروب الصليبية م 25

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٣٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٣٣٥