لكثرة الرمي عليهم بالسهام من البرج، ورمي الاحجار من المنجنيقات. فأمر أن يبني بالأخشاب واللين ما يمكن الرجال من السير تحت السقائف، وأن يلقى في الخندق ما يطمه. فيما كانت منجنيقات المسلمين ترمي الحصن ليلا ونهارة. وأرسل من فيه من الفرنج إلى ملكهم - ملك القدس - وإلى فرسانهم، يستمدونهم ويعرفونهم عجزهم وضعفهم عن حفظ الحصن، فاجتمعت الفرنج عن آخرها، وساروا إلى نجدتهم عجلين. فلما بلغ الخبر بمسيرهم إلى صلاح الدين، رحل عن الكرك إلى طريقهم ليلقاهم ويقاتلهم، ويعود بعد أن يهزمهم إلى الكرك، فقرب منهم وخيم ونزل، ولم يمكنه الدنو منهم لخشونة الأرض وصعوبة المسالك إليهم وضيقها. فأقام أياما ينتظر خروجهم من ذلك المكان ليتمكن منهم، فلم يبرحوا منه خوفا على نفوسهم. فلما رأى ذلك ابتعد عنهم عدة فراسخ، وجعل بإزائهم من يعلمه بمسيرهم. فساروا ليلا إلى الكرك، فلا علم صلاح الدين ذلك، عرف أنه لن يتمكن من تحقيق هدفه، فسار عنهم إلى دمشق.
حاول حاكم الكرك - رينالد شاتيون، أو أرناط - التخفيف من ضغط المسلمين على إقطاعه، فالتمس عقد هدنة مع صلاح الدين. وتم له ذلك، وأخذت القوافل التجارية الإسلامية في التنقل مطمئنة ما بين الشام ومصر. فلما كانت سنة 582 ه = 1189 م. وبينما كانت إحدى القوافل العظيمة المحملة بالنفائس من الأموال والمتاع تمر على حدود إقطاع الكرك، نکث رينالد باتفاقه وعهوده، وخرق الهدنة، فهاجم القافلة واستولى عليها وغنم أموالها ودوابها وسلاحها. وأودع السجن من أسر من الجند القليل الذي كان يرافقها. فأرسل إليه صلاح الدين يلومه ويقبح فعله وغدره ويتوعده إن لم يطلق سراح الأسرى والأموال، فلم يجب إلى ذلك، وأصر على الامتناع، فنذر صلاح الدين نذر أن يقتله بيده إن ظفر به (1).
(1) كانت هذه المرة الثانية التي أقسم فيها صلاح الدين الأيوبي على قتل رينالد شانيون بيده إن أظفره الله
به. وكانت المرة الأولى سنة 578 ه = 1182 م. عندما وجه رينالد شاتبون حملة من الكرك، نزلت في ابلات، ونقلت معها السفن التي تم صنعها وأعدادها في الكرك، وسارت عبر البحر الأحمر فأغارت على رابغ وعبداب والحوراء وينبع. فأدرك قائد البحرية المصرية - حسام الدين لؤلؤ - قوات الفرنج في الحوراء. فهزمهم، وتم ذبح أسراهم في القاهرة وفي من يوم عيد الأضحى - عقابا