الفتح أفامية، جمع نور الدين زنكي عسكره، وسار إلى بلاد جوسلين الفرنجي، وهي شمال حلب، منها تل باشر وعين تاب وإعزاز، وكان جوسلين لعنه الله فارس الفرنج غير مدافع، قد جمع الشجاعة والرأي، فاحتال عليه نور الدين حتى أوقعه بكمين وأخذه أسيرة. وكان أسره من أعظم الفتوح، لأن جوسلين كان شيطانة عاتية شديدة على المسلمين، قاسي القلب. وأصيبت النصرانية كافة بأسره. ولما أسر، سار نور الدين إلى قلاعه فملكها وهي (تل باشر وعين تاب وإعزاز وتل خالد وقورس والراوندان وبرج الرصاص وحصن البارة وكفرسود و كفرلاثا ودلوك ومرعش ونهر الجوز) وغير ذلك من أعماله في مدة يسيرة. وكان نور الدين كلما فتح منها حصنا نقل إليه من كل ما تحتاج إليه الحصون خوفا من تكثة تلحق المسلمين من الفرنج (1).
حشد الفرنج حشودهم سنة 547 ه = 1152 م، وساروا نحو نور الدين، ودارت معركة قرب دلوك انتصر فيها المسلمون، واستولوا على دلوك. وبدأت مدن بلاد الشام في تسليم قيادها لنور الدين زنكي، حتى إذا ما كانت سنة 549 ه = 1154 م، خضعت دمشق لحكم نور الدين، فتوحدت بلاد الشام كلها تحت قيادة نور الدين، مما مهد له السبيل لاخضاع مصر لحكمه، وتوحيدها تحت قيادته، فرسم الطريق لصلاح الدين الأيوبي، الذي جاء بعده، وسار على نهجه. ولم يكن الفاصل الزمني بين فتح أفامية (قلعة المضيق) وبين توحيد بلاد الشام قد زاد على أربع سنوات. وقد لا تكون هناك حاجة لابراز مدى الدور الذي تركه فتح أفامية في التحول الحاسم بانتقال المسلمين من الدفاع المحدود وغير المنسق الى الهجوم العام والشامل (الاستراتيجي).
وبعد، فيا من مكان أو موقع يحتل مرتبة ثابتة بصورة مستمرة. وكثيرا ما تقفز بعض المواقع الى المرتبة الأولى من القيمة والأهمية خلال فترة زمنية معينة. مثل ستالينغراد ولينينغراد في الحرب العالمية الثانية، أو سنغافوره. حتى إذا ما تجاوزها الزمن، وتجاوزتها الأحداث عادت لتحتل مرتبة ثانوية، وقد تضيع في زوايا التاريخ المجهولة. أو قد تزول من على الخارطة الجغرافية للبلدان. ولعل (قلعة أفامية - أو
(1) الكامل في التاريخ - أحداث سنة 046 م