لم يكن النقص في المواد التموينية هو الذي أغرى أمير أنطاكية. بوهمند - بالهجوم على أفامية واحتلالها. كذلك لم يكن الحصار المتطاول هو الذي أدى إلى سقوط أفامية في قبضة الفرنج، ولكن بوهمند عرف أن أفامية قد باتت معزولة عن محيطها الإسلامي، وأنه ما من أحد سيسرع لنجدتها إذا ما عمل على مهاجمتها. ولهذا قام بقيادة قواته واستولى عليها، ثم استخدامها قاعدة متقدمة للهجوم منها على ما يجاورها من مدن المسلمين وقراهم. ففي سنة 505 ه = 1111 م جمع المسلمون جموعهم ونزلوا على نهر العاصي، وجمع الفرنج جموعهم. وتم اللقاء قرب قلعة شيزر. وبدأت قوات المسلمين باستثارة الفرنج واستفزازهم لحملهم على خوض المعركة. ولما عرف الفرنج قوة المسلمين أحجموا عن القتال، ورجعوا إلى أفامية. وتبعهم المسلمون فتخطفوا من أدر کوه من ساقتهم. مؤخرتهم - وهذا ما تكرر حدوثه أيضأ سنة 508 ه = 1114 م. إذ حشد الفرنج حشودهم بقيادة ملوك وأمراء انطاكي وطرابلس والقدس وغيرهم من شياطين الفرنج. فلما رأوا كثرة حشود المسلمين، اتفق رأيهم على ترك اللقاء، وقالوا إنهم عند قدوم الشتاء سيتفرقون. واجتمعوا بقلعة أفامية، وأقاموا نحو شهرين. فلما انتصف شهر ايلول - سبتمبر - ورأوا عزم المسلمين
على المقام تفرقوا، ولما تولى أمير حلب نور الدين محمود بن زنكي قيادة الجهاد في سبيل الله، قدر خطورة أفامية، فقرر إعادة فتحها وطرد الفرنج منها، وقاد جيشه سنة 544 ه = 1199 م وخاض معركة حاسمة ضد جيش أنطاكية، فقتل أميرها - بوهمند - إذ كان عاتبا من عتاة الفرنج. حتى إذا ما كانت السنة التالية (545 ها = 1150 م) قاد نور الدين جيشه إلى حصن أفامية فحصره وقاتل الفرنج، وضيق على من بها منهم، فاجتمع من بالشام من الفرنج، وساروا نحوه ليبعدوه عنهم.
فلم يصلوا إلا وقد ملكه وملأه ذخائر وسلاحة ورجالا وجميع ما يحتاج إليه. فلا علم نور الدين بسير الفرنج إليه، رحل عن أفامية، وقد فرغ من أمر تحصينها. وسار إليهم يطلبهم، فحين رأوا أن الحصن قد ملك، وعرفوا تصميم نور الدين على لقائهم، عدلوا عن طريقه، ودخلوا بلادهم، وراسلوه في المهادنة وعاد سالمة مظفرة. ومدحه
ا