على منزلتي منك، وما غمرني من نعمتك، سعى بي إليك، فأسألك أن تأخذ جميع ما معي وأخرج كما جئت، وحلف له على الوفاء والنصح، فقبل عذره وأمنه. وعاد القاضي إلى مكاتبة أبي طاهر بن الصائغ. وأشار عليه أن يوافق رضوانا على إنفاذ ثلثمائة رجل من أهل سرمين، وينفذ معهم خيوط من خيول الفرنج، وسلاحا من أسلحتهم، ورؤوسة من رؤوس الفرنج، ويأتون إلى ابن ملاعب ويظهرون أنهم غزاة، ويشكون من سوء معاملة الملك رضوان وأصحابه لهم، وأنهم فارقوه فلقيهم طائفة من الفرنج فظفروا بهم، ويحملون جميع ما معهم إليه. فإذا أذن لهم في المقام، اتفقت آراؤهم على إعمال الحيلة عليه.
ففعل ابن الصائغ ذلك، ووصل القوم إلى أفامية، وقدموا إلى ابن ملاعب بما معهم من الخيل وغيرها، فقبل ذلك منهم، وأمرهم بالمقام عنده، وأنزلهم في ربض أفامية. فلما كان في بعض الليالي نام الحراس بالقلعة، فقام القاضي ومن بالحصن من أهل سرمين، ودلوا الحبال وأصعدوا أولئك القادمين جميعهم، وقصد أولاد ابن ملاعب وبني عمه وأصحابهم فقتلوهم. وهرب ابنا ? ابن ملاعب - فقتل أحدهما، والتحق الآخر بأبي الحسن بن منقذ - صاحب شيزر - فحفظه لعهد كان بينها. ولما سمع ابن الصائغ خبر أفامية سار إليها، وهو لا يشك أنها له، فقال له القاضي: إن وافقتني وأقمت معي فبالرحب والسعة و نحن بحكمك، وإلا فارجع من حيث جئت. فايس ابن الصائغ منه. وكان أحد أولاد ابن ملاعب بدمشق - عند حاكمها طغتكين - وهو غضبان على أبيه. فولاه طغتكين حصنا بعد أن تعهد بالمحافظة على الأمن - ولكنه لم يفعل، وقطع الطريق وأخذ القوافل، فاستغاث الناس إلى طغتكين منه. فأرسل من طلبه، فهرب إلى الفرنج، واستدعاهم إلى حصن أفامية، وقال لهم: ليس فيها غير قوت شهر، فأقاموا عليها يحاصرونها، وجاع أهلها، ومنكها الفرنج. وقتلوا القاضي المتغلب عليها، وأخذوا ابن الصائغ وقتلوه. و كان هو الذي أظهر مذهب الباطنية. الاسماعيلية - بالشام، (1).
(1) الكامل في التاريخ - أحداث سنة تسع وتسعين وأربعمائة -