آخرون - منهم كونت طرابلس - بينا هرب فولك وحرسه الى حصن بعرين. وألقى عماد الدين زنكي الحصار على هذا الحصن، ونصب عليه عشرة مجانيق تقذف أسوار القلعة ليلا ونهارة. وأسرع جيش أنطاكية وجيش الرها، غير أنه لم يتمكنا من التدخل، ووافق ملك القدس - فولك - على تسليم الحصن للمسلمين مقابل السماح له بالانسحاب، فعاد إلى القدس وهو يجر أذيال الخيبة، ويتجرع مرارة الهزيمة
لقد أخذت القوات الإسلامية بالتعاظم، وبات من المحال ايقاف تطورها. ولقد جاءت الحملات الصليبية المتتالية في محاولة لإيقاف المد الإسلامي المتعاظم. غير أن ملامح النهاية الحتمية لهذا الصراع بدت واضحة تماما للطرفين للمتصارعين، ولم تعد القضية للوصول إلى هذه النهاية أكثر من قضية زمن. وقد يكون بالمستطاع تجاوز أحداث الصراع المرير والطويل للوصول بقفزة واحدة إلى ما حدث عند وصول المغول التتار الى بلاد الشام.
فقد تحالف الفرنج في أنطاكية والرها مع المغول، وساروا في ركابهم، واقتحموا معهم مدن بلاد الشام، حتى إذا ما أسفرت معركة عين جالوت) عن انتصار المسلمين، جعل السلطان الظاهر بيبرس هدفه الأول هو في إنزال العقاب الحق والجزاء العادل بانطاكية - وأميرها بوهمند - لقاء ما قدمه هذا للمغول من المساعدة. فأرسل في سنة 110 ه = 1391 م جيشأ للإغارة على أملاك أنطاكية، وتكررت الغارات في صيف السنة التالية، وتعرض ميناء السويدية للنهب والتدمير، وجرى تهديد أنطاكية ذاتها، فاستنجد كونت أنطاكية بقائد المغول - هولاكو - الذي أرسل قواته في الوقت المناسب لانقاذ أنطاكية. فانصرف بيبرس لحرب الفرنج في بلاد الشام، غير أنه عاد سنة 165 ه = 1299 م فأرسل قواته لمهاجمة أنطاكية، وأظهر قادته تهاونا مما أثار غضب بيبرس ودفعه لاتخاذ قراره بقيادة حملة يتولى هو قيادتها. ونفذ قراره في السنة التالية، فقاد جيشه، ووصل أنطاكية، وقسم قواته إلى ثلاثة جيوش، توجه واحد منها إلى السويدية، وعزل أنطاكية عن البحر، وتوجه الجيش الثاني إلى دروب الشام لمنع وصول أي دعم من قليقية إلى أنطاكية، بينما تولى بيبرس ذاته قيادة الجيش الثالث