وهكذا أصبحت حاضرة الشرق - کما كانوا يسمونها - تحت حكم العرب المسلمين، الذين حكموا بشرع الله على أرض الله، فشاع العدل وانتفى الظلم. ولم يكن غريبا أن يتصدى جاثليق النساطرة البطريرك أنطاكية عندما احتدم الجدل بينهما في مطلع القرن العاشر الميلادي. فقال له: «اننا نحن النساطرة أصدقاء العرب المسلمين، وندعو لهم بالنصر دائما، فلترع النساطرة الذين ليس لهم من ملك سوى العرب المسلمين , (1).
وقد عرف العرب المسلمون أهمية هذه الحاضرة، وقدروها حق قدرها (2). ولقد عاشت انطاكية أحداث مثيرة منذ الفتح العربي - الإسلامي، فقد تابع الروم البيزنطيون حربهم ضد المسلمين في البر والبحر، وكان لا بد لانطاكية بحكم موقعها من الاستئثار معظم مشاهد الصراع حيث بقيت هي القاعدة الرئيسة التي تمسك بالدروب الشامية، فكانت جيوش العرب المسلمين تتوقف فيها أثناء ذهابها لغزوات الصوائف والشواتي، وعند عودتها منها، هذا بالاضافة إلى الهجمات الكبيرة التي كان يقوم بها العرب المسلمون كثيرة، ويقوم بها الروم في أحيان أخرى. وكان لا بد من أن يصيب انطاكية بعض وقائع تلك الحروب، فأضافت بذلك إلى إرثها الحضاري وتاريخها الطويل، فصلا مميزة من أشكال الحروب التي يصعب إيجازها بكلات أو اختصار وصف أحداثها بسطور، على أن أشد تلك الأحداث إثارة هو ما عرفته انطاكية خلال المرحلة التي سبقت الغزو الصليبي، عندما عملت بيزنطة - الروم - على تصعيد الصراع ضد المسلمين وأعطت هذا الصراع أبعادة جديدة بتوغل جيوشها في بلاد الشام، مع اثارة
(1) تاريخ الحروب الصليبية: 35/ 1 و 48?
(2) وصف أبو الفداء. في تقويم البلدان، ص: 255 مدينة أنطاكية بقوله: " إنها بلدة كبيرة ذات أعين،
وسور عظيم، داخله خية أجبل، وقلعة، ويمر يقاهرها نهر العاصي و النهر الأسود مجموعين. وبها قبر حبيب النجار، قال ابن حوقل: أنطاكية أتزه بلد الشام بعد دمشق. عليها سور من صخر يحبط بها و بحبل مشرف عليها. ويجري مياههم في دور هم: وسككهم و مسجد جامعهم. ولها ضياع وقرى ونواحي خصبة جدة، قال في العزيزي: ومساحة دور السور اثنا عشر ميلا .. القلاع أيام الحروب الصليبية ص؛