طلب الأمان، وتسليم القدس إلى صلاح الدين. وأرسلوا جماعة من كبرائهم وأعيانهم في طلب الأمان. فلما مثلوا أمام صلاح الدين امتنع عن إجابتهم، وقال لهم: |
ولا أفعل بكم إلا كما فعلة بأهله حين ملكتموه سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة من القتل والسي، وجزاء السيئة بمثلها، (1).
لكن اليأس لم بداخل قلوب الفرنج من إمكان الوصول إلى الصلح، فتابعوا اتصالاتهم، فيما بقي القتال مستمرة. واستشار صلاح الدين قادته، فتقرر بذل الأمان للفرنج، ولعل صلاح الدين قد أراد بذلك تجنيب المسلمين الاقتتال مع الفرنج البائسين من الحياة، وتوفير القدرة البشرية لمتابعة القتال، أو لعله أراد تجنب المذابح في الأماكن المقدسة. فتقرر الافراج عن الفرنج، مقابل دفع عشرة دنانير عن كل رجل - يستوي فيه الغني والفقير، وسلمت المدينة للمسلمين يوم الجمعة 27 رجب سنة 492 ها (1187 م) بعد حصار لم يتجاوز الأثني عشر يوما. وارتفع صوت المؤذن، فكادت قلوب المسلمين تطير فرحا، وزال عن المسجد الأقصى الحزن والكآبة، وتطهر مما علق به من الأدران، أظهر العرض السابق ثلاث عمليات مما تعرضت له أسوار مدينة القدس من الحصار، وبرزت من خلال هذا العرض الملامح المشتركة لفن الحصار في العصور القديمة و العصور الوسطى، حيث تبين عدم حدوث تطور كبير في بناء القلاع والأسوار والتحصينات، وكذلك عدم حدوث تطور مماثل في وسائط الحصار مثل المجانيق والأبراج و السلالم وسواها. فبقي فن الحصار معتمدة على الأساليب التقليدية والشائعة ومنها:
أولا: عزل الهدف عن محيطه الخارجي، وحرمانه من امكانات الدعم. فقد عمل عمرو بن العاص في المرة الأولى على تدمير مقاومات الفرنج في معارك جبهية تصادمية. ثم فتح القلاع والحصون ذات الأهمية الثانوية، ثم انتقل بعدئذ إلى الهدف الأكثر
(1) الكامل في التاريخ، احداث سنة 583 ه. وتاريخ الحروب الصليبية 748
/ 2 - 754. والروضتين - أبو شامة. نص خطاب القاضي محي الدين بن الزكي في المسجد الأقصي. بحضور صلاح الدين الأيوبي في ذلك اليوم المشهود