بقيت دمياط تحجز بينهم وبينه. فلما وصلوا إلى - بورة - حادوه فقاتلوه في الماء، وزحفوا إليه غير مرة، فلم يظفروا بطائل، ولم يتغير على أهل دمياط شيء حيث كانت الامدادات والمواد التموينية تصل إليها بانتظام. كما كان النيل يحجز بينهم وبين الفرنج، وبقي أهل دمياط ممتنعون، لا يصل إليهم من الفرنج ضرر أو أذى.
توفي الملك العادل (*) في جمادي الآخرة من سنة خمس عشر وستمائة (31 - آب - أغسطس - 1218 م) والصراع على أشده بين المسلمين والفرنج على أبواب دمياط. فضعفت نفوس الناس. وكان أكبر أمير بمصر هو عماد الدين أحمد بن علي - من الأكراد الهكارية. ويعرف بابن المشطوب، فاتفق مع مجموعة من الأمراء على خلع الملك الكامل، وتنصيب أخاه الفائز بن العادل، ليصير الحكم إليهم عليه وعلى البلاد، وعلم الكامل بالمؤامرة، فغادر المنزلة ليلا ومعه قوة من الفرسان الخفيفة، وسار إلى قرية يقال لها - شمون طناح. فنزل عندها، وأصبح العسكر، فافتقدوا سلطانهم، ولما لم يجدوه، ركب كل انسان منهم هواه، ولم يقف الأخ على أخيه، ولم يقدروا لسرعتهم أخذ شيء من خيامهم وذخائرهم وأموالهم وأسلحتهم - إلا اليسير الذي يخف حمله، وتركوا الباقي على حاله من المواد التموينية، والحبوب والسلاح والدواب والخيام وغير ذلك، ولحقوا بالكامل. وأصبح الفرنج من الغد فلم يروا من مقاتلي المسلمين أحدة على شاطئ النيل کجاري عادتهم، فوقفوا في ذهول لا يعرفون ماذا حدث، ولا
(*) الملك العادل أبو بكر بن أيوب (040 - 115 ه = 1145 - 1218 م) استخلفه أخوه صلاح الدين يوسف بن أيوب بمصر لما سار إلى الشام، ثقة به و اعتمادا عليه، وعليا بما هو عليه من توفر العقل وحسن السيرة. فلما توفي أخوه صلاح الدين ملك دمشق، ثم ملك مصر ودمشق وسائر بلاد الشام. كان عاقلا ذا رأي سديد ومكر شديد وخديعة. صبورة حليا ذا أناة، يسمع ما يكره ويغض عليه حتى كأنه لم يسمعه، وقسم البلاد في حياته بين أولاده، فجعل مصر الملك الكامل محمدأ، وجعل ابنه المعظم عيسي بدمشق والقدس وطبرية والأردن والكرك وغيرها من الحصون المجاورة، وجعل لابنه الملك الأشرف موسي بعض ديار الجزيرة وميافارقين وخلاط. وأعطي لولده الحافظ أرسلان شاه قلعة جعبر. فلما توفي الملك العادل ثبت كل منهم في المملكة التي أعطاه إياها أبوه. واتفقوا اتفاقا حسنة، ولم يجر بينهم الاختلاف ما جرت العادة أن يحدث بين أولاد الملوك بعد آبائهم، بل كانوا كالنفس الواحدة، كل منهم يثق إلى الآخر، مما زاد من ملكهم. وأطال من أمد الدولة الأيوبية