ولم تجر التفرقة بين القصور والأكواخ فيما تعرضت له من الهجوم والتدمير، وأخذ الجرحى من النساء والأطفال يلفظون أنفاسهم في الشوارع. وظلت مناظر النهب وسفك الدماء المريعة مستمرة ثلاثة أيام. حتى أضحت المدينة الضخمة الجميلة شبيهة بسوق اللحوم. وهتف المؤرخ نکيتاس في صدق: إن المسلمين لأكثر منهم رحمة (*)، وليس بوسع أحد أن يحمي الذهب والفضة، ولا الصحون والجواهر، ولا الثياب الحريرية الفاخرة، أو المنسوجات الحريرية الثمينة، أو الثياب المصنوعة من فراء الفندس. أو الفراء الرمادي الفضي، أو فراء السنجاب ... إنه منذ خلق الله العالم، لم ينزع من مدينة واحدة من الأشياء مثلما أخذ من القسطنطينية. وتقرر تقسيم كل هذه الغنيمة وفقا الأحكام المعاهدة؟ بأن صار للفرنج الصليبيين ثلاث أثمانها، وللبنادقة ثلاث أثمانها، بينما صار الربع من نصيب الامبراطور المقبل.
هكذا انتهت الحملة الصليبية المعروفة باسم الحملة الصليبية الرابعة سنة ستائة للهجرة (1204 م) بتدمير القسطنطينية. وخاب أمل الفرنج بالشام من إمكان حصولهم على دعم جديد بالقدرة البشرية المقاتلة. كما خاب أمل المسيحيين في المشرق. فقد حدث عكس ما كان يتوقعه البابا والفرنج، وعوضا عن توحيد الكنيستين الشرقية والغربية، زاد الانقسام عمقة واتساعة. والأهم من ذلك، هو زوال هيبة دولة الروم التي كانت تعتبر نفسها حامية للمسيحية ضد المسلمين في الجنوب، وضد البرابرة في الشمال.
يمكن أن يضاف إلى هذه الحملة التي عرفت أيضا باسم - الحملة المنحرفة. الانحرافها عن قتال المسلمين لقتال المسيحيين، تلك الحملة التي اشتهرت باسم (حملة الأطفال). والتي بدأت التبشير لها في سنة 112 ه (1212 م) عندما تقدم صبي اسمه ستيفان وعمره اثنتي عشرة سنة ويعمل راعية، إلى ملك فرنسا فيليب أغسطس، الذي كان يعقد محكمته في مدينة كلوي الصغيرة، وقدم إليه رسالة زعم أن المسيح
(*) انظر الكامل في التاريخ ابن الأثير - أحداث سنة ستمائة. وتاريخ الحروب الصليبية
195/ 3 - 230. وذكر أبو شامة - أن البنادقة باعوا قدرة كبيرة من الغنيمة للمسلمين. (أبو شامة: 154/ 2).