تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يخرجون منها بجيشه ويقاتل الفرنج فيها، وشرعوا في ذلك، واشتغل كل منهم باستصحاب ما يملكه، فا فرغوا من أشغالهم حتى أسفر الصبح، فبطل ما عزموا عليه الظهوره وافتضاح سره، وزحف الفرنج بحدهم وحديدهم إلى عكا، فظهر من بالبلد على سوره يحركون أعلامهم ليراها المسلمون - وكانت هي العلامة إذا اختر مهم أمر. فحملوا على الفرنج من جميع جهاتها طلبا منهم أن يشتغل الفرنج عن الذين بعكا، وصلاح الدين يحرضهم وهو في أولهم، وكان الفرنج قد خفوا عن خنادقهم، ومالوا إلى جهة البلد، فقرب المسلمون من خنادقهم حتى كادوا يدخلونها عليهم ويضعون السيف فيهم، فعاد الفرنج إلى خنادقهم، ومنعوا المسلمين وتركوا في مواجهة عكا من يقاتل أهلها. فلما رأى المشطوب أن صلاح الدين لا يقدر على نفع، ولا يدفع عنهم ضرا، خرج إلى الفرنج، واتفق معهم على تسليم البلد وخروج من فيه بأموالهم، وأنفسهم، وبذل لهم عن ذلك مائتي ألف دينار وخمسمائة أسير من المعروفين وإعادة صليب الصلبوت، وأربعة عشر ألف دينار للمركيز صاحب صور. فأجابوه إلى ذلك وحلفوا له عليه. واتفقوا على أن تكون مدة تحصيل المال وإطلاق سراح الأسرى إلى شهرين. فلا حلفوا له سلم البلد إليهم، ودخلوه سلا يوم الجمعة سابع عشر جمادي الآخرة سنة 587 ه = 1191 م. فلا دخلوه وملكوه غدروا واحتجزوا من فيه من المسلمين وأموالهم، وحبسوهم. وأظهروا أنهم يفعلون ذلك حتى يتسلموا ما تم الاتفاق عليه.

وراسل الفرنج صلاح الدين في إرسال الأموال والأسرى وصليب الصلبوت حتى يطلقوا من عندهم، فشرع في جمع المال، و كان هو الأمان له، إنما يخرج ما يحصل إليه من دخل البلاد أولا بأول، فلما اجتمع عنده من المال مائة ألف دينار، جمع الأمراء واستشار هم. فأشاروا بأن لا يرسل شيئا حتى يعاود يستحلفهم على إطلاق أصحابه، وأن يضمن الداوية ذلك. فراسلهم صلاح الدين في ذلك، فقال الداوية: «لا نحلف ولا نضمن لأننا نخاف غدر من عندنا .. وقال ملوكهم: إذا سلمتم إلينا المال والأسرى والصليب، فلنا الخيار فيمن عندنا .. فحينئذ علم صلاح الدين عزمهم على الغدر، فلم يرسل إليهم شيئا.

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢١١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢١١٧