أضحى ريتشارد قلب الأسد حريصة على أن يغادر عكا، وأن يزحف على بيت المقدس، وصار الأسرى المسلمون مصدر حيرة له. فانشرح صدره لما تهيا له من الذريعة للتخلص منهم، فاعلن في برود شديد يوم الثلاثاء 27 رجب 587 ه (20. آب. أغسطس. 1191 م) أي بعد أن مفي ما زاد على اسبوع على عودة الرسل إليه، أن صلاح الدين نقض عهده، وأمر بالاجهاز على سبعمائة وألفي أسير من المسلمين الذين بقوا على قيد الحياة من حامية عكا. فاشتدت حماسة عساکره للقيام بهذه المجزرة، وأقبلوا على تنفيذها في جذل وسرور.
ولقيت زوجات الأسرى وأطفالهم مصرعهم إلى جوارهم. ولم يبقوا على حياة أحد. سوى بعض الأعيان - وبعض الرجال الأشداء للإفادة منهم في أعمال السخرة، وشهد المسلمون المرابطون في أقرب المعاقل إلى عكا ما قد حدث، فاندفعوا لانقاذ ذويهم، وعلى الرغم من أنهم ظلوا يقاتلون حتى حلول الظلام، فانهم لم يستطيعوا الوصول إليهم، ولما انتهت المذبحة. غادر الانكليز البقعة، وتقدم المسلمون للتعرف على إخوانهم الشهداء، ودفنهم.
قاد ريتشارد الجيش الصليبي يوم الخميس 29 رجب (22 - آب. أغسطس) وغادر عكا، وقد تغيب عن مرافقته عدد كبير من البارونات المحليين. وكان الفرنسيون بقيادة دوق برغنديا في مؤخرة الجيش، قد خرجوا من عكا ساخطين، في من أحد من العسکر پريد مغادرة المدينة التي ظلوا يعيشون فيها حتى الشهر الأخير في راحة ونعيم، بما توافر فيها من الخبز والطعام، وبمن تكاثر فيها من النساء الساقطات الاشباع شهواتهم. وما من أحد منهم ارتاح لما سمعه من أنه لم يسمح بأن يصحبهم من العاملات في المعسكر سوى الغسالات، غير أن قوة شخصية ريتشارد قهرتهم. أما صلاح الدين فمازال معسكرا في شفر عم، التي تحكمت في الطريقين الرئيسين الممتدين من الساحل، فيتجه أحدهما إلى طبرية ودمشق، بينما يجتاز الطريق الثاني الناصرة إلى
بيت المقدس،