ذلك الرجل - الدمشقي - إلى صلاح الدين، فبذل له الأموال الجزيلة والأقطاع الكثيرة، فلم يقبل منه الحبة الفرد، وقال:
وإنما عملته لله تعالى ولا أريد الجزاء إلا منه .. وأرسلت الكتب إلى البلاد بالبشائر.
أرسل صلاح الدين باستدعاء العساكر الشرقية، فجاءه جند سنجار و ديار الجزيرة، ثم جاءه جند الموصل، ثم جند أربل، وكان كل جند إذا وصل يتقدم إلى الفرنج وينضم إليه غيرهم ويقاتلونهم ثم ينزلون. ووصل الاسطول من مصر، فلا سمع الفرنج بقربه جهزوا إلى طريقه أسطولا ليلقاه ويقاتله، فركب صلاح الدين في جيشه بكامله، وقاتلهم من جهاتهم ليشتغلوا بقتاله عن قتال الأسطول، ليتمكن من دخول عكا، فلم يشتغلوا عن قصده بشيء، فكان القتال بين الفريقين برأ وجرة. وكان يوما مشهودة لم يؤرخ مثله.
وأخذ المسلمون من الفرنج مركبا فيه من الرجال والسلاح. وأخذ الفرنج من المسلمين مثل ذلك. إلا أن القتل في الفرنج كان أكثر منه في المسلمين. ووصل الأسطول الإسلامي سالمة.
أعاد الفرنج تنظيم قواتهم، وخرجوا بفارسهم وراجلهم، وبعددهم الكثير الذي لا يحصى، وقصدوا عسکر مصر (في 20 جمادي الآخرة فنظم الملك العادل أبو بكر قواته للقتال والتقوا واقتتلوا قتالا شديدة، فانحاز المصريون عنهم، ودخل الفرنج خيامهم، و بهبوا أموالهم، فعطف المصريون عليهم، فقاتلوهم من وسط خيامهم، فأخرجوهم عنها. وتوجهت طائفة من المصريين نحو خنادق الفرنج، فقطعوا المدد عن أصحابهم الذين خرجوا، وكانوا متصلين كالنمل، فلا انقطعت أمدادهم ألقوا بأيديهم، وأخذتهم السيوف من كل ناحية، فلم ينج منهم إلا الشريد، وقتل منهم مقتلة عظيمة يزيد عدد القتلى على عشرة آلاف قتيل.
وكانت عساكر الموصل بقيادة علاء الدين خرم شاه بن عزالدين مسعود. قريبة من جيش مصر. فحملوا أيضا على الفرنج، وبالغوا في قتالهم، ونالوا منهم نيلا كثيرة.