تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

متتابعة، وسئم الفريقان القتال، وملوا منه لملازمته ليلا ونهارا، وتيقن المسلمون من استيلاء الفرنج على البلد لما رأوا من عجز من فيه عن دفع الأبراج، فإنهم لم يتركوا حيلة إلا عملوها، فلم يفد ذلك، ولم يغن عنهم شيئا. وتابعوا رمي النفط الطيار عليها فلم يؤثر فيها، فأيقنوا بالبوار والهلاك.

فأتاهم الله بنصر من عنده، وأذن من إحراق الأبراج، وكان سبب ذلك أن إنسانة من أهل دمشق كان مولعة بجمع آلات النفاطين، وتحصيل عقاقير نقوي عمل النار، فكان من يعرفه يلومه على ذلك وينكره عليه، وهو يقول: هذه حالة لم أباشرها بنفسي إنما أشتهي معرفتها .. و كان بعكا لأمر يريده الله، فلما رأى الأبراج قد نصبت على عكا، شرع في عمل ما يعرفه من الأدوية المقوية للنار بحيث لا يمنعها شيء من الطين والخل وغيرها، فلما فرغ منها، حفر عند الأمير قراقوش، وهو متولي الأمور بعكا والحاكم فيها، وقال له: يامر المنجنيقي أن يرمي في المنجنيق المحاذي لبرج من هذه الأبراج ما أعطيه حتى أحرقه .. وكان عند قراقوش من الغيظ والخوف على البلد ومن فيه ما يكاد يقتله، فازداد غيظة بقوله، وحرد عليه، وقال له: وقد بالغ أهل هذه الصنعة في الرمي بالنفط وغيره، فلم يفلحوا .. فقال له من حفر: «لعل الله تعالى قد جعل الفرج على بيد هذا، ولا يضرنا أن نوافقه على قوله. فأجابه إلى ذلك، وأمر المنجنيقي بامتثال أمره. فرمي عدة قدور نفطة وأدوية ليس فيها نار. فكان الفرنج إذا رأوا القدر لا يحرق شيئا يرقصون ويصبحون ويلعبون على سطح البرج، حتى علم أن الذي ألقاه قد تمكن من البرج، ألقى قدرة مملوءة وجعل فيها النار، فاشتعل البرج. وألقى قدرة ثانية وثالثة فاضطر من النار في نواحي البرج، وأعجلت من في طبقاته الخمس عن الحرب والخلاص. فاحترق هو ومن فيه.

فلما احترق البرج الأول، انتقل إلى الثاني وقد هرب من فيه لخوفهم، فأحرقه. وكذلك الثالث، وكان يوما مشهودة لم ير الناس مثله. والمسلمون ينظرون ويفرحون، وقد أسفرت وجوههم بعد الكآبة فرحة بالنصر، وخلاص المسلمين من القتل. وحمل

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢١١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢١١٠