تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كبيرة للفرنج فغنمها وأخذ منها أموالا كثيرة و مواد تموينية عظيمة، فأدخلها إلى عكا. فسكنت نفوس من بها بوصول الأسطول المصري، وقوي جنانهم.

أقام صلاح الدين في - الخروبة - إلى أن ذهب الشتاء، فلما دخل صفر من سنة 586 ه = 1190 م. علم الفرنج أن صلاح الدين قد سار للصيد. ووجدوا أن جيش المسلمين في مواجهتهم هو جيش صغير، وأن الوحل في عكا كثير ويشكل عائقا أمام المسلمين إذا ما تحركوا لدعم الجيش المقابل لعكا. فقرروا الخروج من خندقهم، ومباغتة جند المسلمين، عند العصر، فقاتلهم المسلمون، وحموا أنفسهم بالنشاب، وأحجم الفرنج عنهم حتى فني نشابهم، فحملوا عليهم حينئذ حملة رجل واحد، فاشتد القتال وعظم الأمر، وعلم المسلمون أنهم لا ينجيهم إلا الصبر وصدق القتال، فقاتلوا قتال مستقتل، إلى أن جاء الليل، وقتل من الفريقين جماعة كثيرة، وعاد الفرنج إلى خندقهم. ولما علم صلاح الدين بما حدث، ندب الناس إلى نصر إخوانهم، فأتاه الخبر أن الفرنج عادوا إلى خندقهم. فجمع جنده الذين وصلوا من دمشق وحمص وحماة وغيرها، وسار بهم من الخروبة نحو عكا، فنزل بتل كيسان، وقاتل الفرنج كل يوم، ليشغلهم عن قتال من بعكا من المسلمين. وكان الفرنج مدة مقامهم على عكا قد عملوا ثلاثة أبراج من الخشب عالية جدا، طول كل برج منها خمس طبقات، كل طبقة مملوءة بالمقاتلة، وقد جمع أخشابها من الجزائر، إذ أن مثل هذه الأبراج العضيمة لا يصلح لها من الخشب إلا القليل النادر، وغشوها بالجلود والخل والطين والأدوية التي تمنع النار من إحراقها، وأصلحوا الطرق لها، وقدموها نحو مدينة

کا من ثلاث جهات، وزحفوا بها (في العشرين من ربيع الأول 584 ه) فأشرفت على السور، وقاتل من بها من عليه، فانكشفوا وشرعوا في ردم - طم - الخنادق.

وكاد الفرنج يملكون البلد عنوة وقهرة، فأرسل المسلمون رجلا سبح في البحر، وجاء إلى صلاح الدين، وأعلمه ما هم فيه من الضيق. وما أشرفوا عليه من أخذهم و قتلهم، فركب صلاح الدين وجنده وتقدموا إلى الفرنج، وقاتلوهم من جميع جهاتهم قتالا عضيين دائما يشغلهم عن مكائرة البلد، فافترق الفرنج فرقتين: فرقة تقاتل صلاح الدين، وفرقة تقاتل أهل عكا، وبذلك خف الأمر عمن بعكا، ودام القتال ثمانية أيام

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢١٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢١٠٩