تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عنده الأمراء، وأشاروا عليه بالانتقال من ذلك الموضع، وترك مضايقة الفرنج، وحسنوه له، وقالوا: وقد ضيقنا على الفرنج، ولو أرادوا الانفصال عن مكانهم لم يقدروا، والرأي أن نبعد عنهم بحيث يتمكنون من الرحيل والعود، فإن رحلوا فقد كفينا شرهم و كفوا شرنا. وإن أقاموا عاودنا القتال، ورجعنا معهم إلى ما نحن فيه. ثم إن مزاجك منحرف والألم شديد، ولو وقع إرجاف لهلك الناس، والرأي على كل تقدير البعد عنهم .. ووافقهم الأطباء على ذلك، فأجابهم إليه، ورحلوا إلى الخروبة (رابع شهر رمضان سنة 585 ه) وأمر من بعكا من المسلمين بحفظها وإغلاق أبوابها والاحتياط، وأعلمهم بسبب رحيله. فلما رحل هو وجنده، أمن الفرنج وانبسطوا في تلك الأرض، وعادوا وحصروا عكا وأحاطوا بها من البحر إلى البحر، فيما كانت مراكبهم تحاصرها من البحر أيضا، وشرعوا في حفر الخندق وعمل السور من التراب الذي يخرجونه من الخندق. وجاؤوا بما لم يكن في الحساب. وكان المسلمون الذين تركوا في مواجهة الفرنج، يتوجهون لقتالهم كل يوم، والفرنج لا يتحر کون، ولا هم لهم إلا حفر الخندق وإقامة السور عليهم ليتحصنوا به من صلاح الدين إن عاد إلى قتالهم، وعمل المسلمون على اعلام صلاح الدين أولا بأول بما كان يفعله الفرنج، ويعظمون الأمر عليه، غير أن المرض كان يمنعه من الحركة. وأشار عليه بعضهم بأن يرسل جنده بكامله إلى عكا ليمنع الفرنج من حفر الخندق و إقامة السور، وقتالهم، وأن يبقى هو في موضعه. في الخروبة. فقال لهم:

وإذا لم أحضر معهم لا يفعلون شيئا، وربما كان من الشر أضعاف ما نرجوه من الخير.

تحرك جيش مصر بقيادة الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب إلى عکا فوصلها في منتصف شوال، فقويت نفوس الناس به وبمن معه، واشتدت ظهورهم. وأحضر معه من آلات الحصار والنشاب والأقواس شيئا كثيرة، وجمع صلاح الدين جندا كثيرا من المشاة من البلاد الشامية، وهو على عزم الزحف إليهم بالفارس والراجل. ووصل بعده الأسطول المصري ومقدمه حسام الدين لؤلؤ، وكان شها شجاعة مقداما خبيرة بالبحر والقتال فيه، ميمون النقبية، فوصل بغتة، فوقع على سفينة

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢١٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢١٠٨