تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الميمنة وقفت مقابل الفرنج، فاضطر بعضهم للوقوف مقابلها، وحملت الميسرة على الفرنج، فاشتغل المدد بقتال من بها عن الاتصال بأصحابهم واللحاق بهم، وعادوا إلى طرف خنادقهم. فحملت الميسرة على الفرنج الواصلين إلى خيمة صلاح الدين، فصادفوهم وهم راجعون، فقاتلوهم. وثار بهم غلمان المعسكر. و كان صلاح الدين لما انهزم القلب، قد تبعهم يناديهم ويأمرهم بالكرة ومعاودة القتال، فاجتمع معه منهم جماعة صالحة، فحمل بهم على الفرنج من وراء ظهورهم وهم مشغولون بقتال الميسرة، فأخذتهم سيوف الله من كل جانب، فلم يفلت منهم أحد، بل قتل أكثرهم، وأخذ الباقون أسرى، وفي جملة الأسرى مقدم الداوية، فأمر صلاح الدين بقتله. وكانت عدة القتلى - سوي من كان إلى جانب البحر - نحو عشرة آلاف قتيل، فأمر بهم فألقوا في النهر الذي يشرب الفرنج منه، وكان في جملة الأسرى ثلاث نسوة فرنجيات، كن يقاتلن على الخيل، في أسرن وألقي عنهن السلاح عرفن أنهن نساء.

وأما المنهزمون من المسلمين، فمنهم من رجع إلى طبرية، ومنهم من جاوز الأردن وعاد، ومنهم من بلغ دمشق. ولولا أن العساکر تفرقت في الهزيمة، لكانوا بلغوا من الفرنج من الاستئصال والإهلاك مرادهم. على أن الباقين بذلوا جهدهم، وجدوا في القتال، وصمموا على الدخول مع الفرنج في معسكرهم، لعلهم يفزعون منهم، فجاءهم النداء بأن رجالهم وأموالهم قد نهبت، وكان سبب هذا النهب أن الناس لما رأوا الهزيمة حملوا أثقالهم على الدواب، فثار بهم أوباش العسكر وغلانه، فنهبوه، وأتوا عليه. وكان في عزم صلاح الدين أن يباكر الفرنج القتال والزحف. فلما رأى اشتغال الناس بما ذهب من أموالهم، ويسعون في جمعها وتحصيلها، أمر بالنداء باحضار ما أخذ، فأحضر منه ما ملأ الأرض من المفارش والثياب والسلاح وغير ذلك، فرد الجميع إلى أصحابه، ففاته ذلك اليوم ما أراد، وسكن روع الفرنج، وأصلحوا شأن الباقين منهم، وأعادوا تنظيم قواتهم.

جافت الأرض من نتن ريح قتلى الفرنج لكثرتهم، وفسد الهواء والجو، ووجدت الأمزجة فسادة. وانحرف مزاج صلاح الدين وأصابه المرض ونال منه بشدة، فحضر

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢١٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢١٠٧